![]() |
| الأستاذة و الكاتبة تسارا بوعقلين |
حاورها: ڤاسي جيلالي
نستضيف اليوم في هذا الحوار الخاص شخصية استثنائية جمعت بين صرامة التنبيل الأكاديمي وأمانة التربية في أقسام المتوسط؛ أستاذة وباحثة لم تكتفِ بتلقين التاريخ والجغرافيا داخل الجدران، بل نزلت إلى الميدان لتنفض الغبار عن تفاصيل قرية تاقربوست التاريخية في مؤلف شامل تجاوز مئتي صفحة، بالتوازي مع إصداراتها التربوية التي حظيت بإشراف المفتشية المركزية لوزارة التربية الوطنية لتطوير استراتيجيات التعلم النشط و تحت إشراف إبن آث منصور المفتش علماس ياسين ، نغوص معها اليوم في كواليس التأليف، ومعارك النشر، وحرقة الواقع الميداني.
"أهلاً بكِ أستاذة تسارا بوعقلين معنا في منصة (Chorfa Média)، في البداية، نتوجه لكِ بخالص الشكر والامتنان لتلبية دعوتنا وصدركِ الرحب لمشاركة جمهورنا هذه التجربة الفريدة.
نحن فخورون جداً باستضافة قامة تربوية وباحثة قريبة من الميدان مثلكِ، جمعت بين هموم القسم وأمانة تبسيط المعرفة للتلاميذ، وبين شغف التنقيب عن الذاكرة التاريخية والأثرية لقرية تاقربوست, حضوركِ معنا اليوم إضافة نوعية نعتز بها."
الأستاذة بوعقلين: أهلاً بك أستاذنا الكريم، وشكراً جزيلاً لك ولقراء ومتابعي منصة (Chorfa Média) على هذه الاستضافة الطيبة والالتفاتة الكريمة.
يسعدني ويشرفني جداً أن أكون معكم اليوم لأشارككم جزءاً من هذه التجربة التي أعتبرها واجباً ورسالة قبل كل شيء، سواء في شقها التربوي داخل الفصول ومحاولة الرقي بالمنظومة التعليمية، أو في شقها التاريخي المتمثل في حماية وتدوين ذاكرة أجدادنا وتاريخ منطقتنا ليبقى حياً في قلوب الأجيال الناشئة. شكراً لكم على هذا الاهتمام والدعم."
بداية أستاذة كيف تساهم ممارستكِ اليومية كأستاذة في الطور المتوسط في صياغة كتب تعليمية تلبي الاحتياجات الحقيقية للتلميذ الجزائري؟ وما الذي ينقص الكتاب المدرسي الرسمي وحاولتِ تداركه في مؤلفاتكِ الخاصة؟
الأستاذة بوعقلين: انطلاقاً من حرصي الدائم على الإبداع والتميّز، سعيتُ إلى تأليف كتب تربوية بمحتويات جديدة تسهم فعلياً في إثراء المدرسة الجزائرية والمكتبة التعليمية، الكتاب المدرسي الرسمي يقدّم محتوى علمياً مهماً بلا شك، لكنه في المقابل يحتاج إلى مزيد من التبسيط، والتدرّج، وتنويع الأنشطة التطبيقية التي تراعي الفروق الفردية بين التلاميذ.
لذلك حاولتُ في مؤلفاتي دعم هذا الجانب، من خلال تقديم شروحات مبسّطة، وسندات إضافية، وأنشطة قائمة على استراتيجيات التعلم النشط، بما يساعد التلميذ على الفهم الجيد والاستعداد الفعلي لشهادة التعليم المتوسط، وفي هذا الإطار، أصدرتُ كتاب «الوثائق التاريخية للسنة الأولى متوسط»، حيث وظّفتُ خلفيتي كباحثة في علم ما قبل التاريخ لتقديم محتوى علمي مبسّط ومدعّم بسندات وأنشطة تساعد الأستاذ وتُمكّن التلميذ من استيعاب مفاهيم المقطع الأول، وفق المخططات السنوية لوزارة التربية الوطنية (2022)، وقد أثبت الكتاب نجاعته ميدانياً ونال استحسان التلاميذ والأساتذة.
كما أصدرتُ كتاب «استراتيجيات التعلم النشط في العلوم الاجتماعية» في جزأين، يضم كل جزء أكثر من 250 صفحة، تحت إشراف مفتش المادة والسيدة المفتشة المركزية بوزارة التربية الوطنية، ويُعدّ هذا العمل من أوائل الإصدارات في هذا المجال على المستوى الوطني، متضمناً استراتيجيات حديثة مدعّمة بأمثلة تطبيقية حققت نجاحاً معتبراً في الميدان، وأخيراً كتاب «الرائد في العلوم الاجتماعية للسنة الرابعة متوسط» وهو ملخص شامل يرافق التلميذ طوال العام لخصته بطريقة جديدة ومشوقة.
ياو تجيب لهم آينشتاين يقريهم والله ما يستعرفوا به!.. جيل اليوم تستهويه الشاشات لا قصص الأجداد.
لاحظنا في مقتطفات إصداراتكِ تركيزاً مكثفاً على المخططات الذهنية والخرائط والجداول المقارنة؛ هل ترين أن "بصرنة" المعلومة هي الحل الأمثل لعقدة حفظ مادتي التاريخ والجغرافيا؟
الأستاذة بوعقلين: نعم، أعتمد بشكل كبير على المخططات الذهنية والخرائط والجداول المقارنة، لما لها من دور فعّال ومباشر في تبسيط المفاهيم وربطها بصرياً، وأرى جازمةً أن “بصرنة” المعلومة تُعدّ من أنجع الحلول لتجاوز صعوبة حفظ مادتي التاريخ والجغرافيا، لأنها تنقل التلميذ من التلقين الجاف إلى الفهم والاستيعاب البصري الذي يثبت في الذاكرة طويلاً.
بالانتقال إلى كتابكِ التاريخي حول قرية تاقربوست؛ ما الذي جذبكِ كباحثة في هذا الفضاء، وكيف وظفتِ تخصصكِ الأكاديمي في كشف خبايا الجغرافيا والتاريخ هنا؟
الأستاذة بوعقلين: أكثر شيء جذبني في قرية تاقربوست هو جانبها الأثري الثري جداً لأنه تخصصي بالدرجة الأولى؛ فالقرية تحتوي على مواقع تاريخية هامة تعود إلى العصر القديم، سواء العصر النوميدي أو الروماني، أما من الناحية المنهجية والجغرافية، فقد ربطتُ الروايات الشفوية المتداولة بأحداث منطقة القبائل ككل، وبالشواهد المادية والآثار، ومن خلال هذه المقاربة الميدانية يمكن للقارئ والباحث استنتاج الروايات الأقرب إلى الحقيقة التاريخية.
على سبيل المثال: تاريخ نشأة القرية بنيته تقاطعياً على الأحداث التاريخية المرتبطة بالولي الصالح سيدي حند أومالك (والذي توجد مصادر تاريخية مكتوبة عنه)، ورواية سيدي يوسف المؤسس الفعلي للقرية؛ حيث يذكر التاريخ المكتوب على ضريحه أنه يعود إلى القرن التاسع الهجري (أي ما يوافق نهاية القرن 15 وبداية القرن 16 للميلاد)، وهو ما يتوافق تماماً وبشكل علمي مع فترة تواجد سيدي حند أومالك في المنطقة.
اكتب لأنك تحب ذلك فقط.. وكل من يبدأ خطوته الأولى في طريق التأليف لن يتوقف أبداً
كتابكِ جاء عاماً وشاملاً؛ لكن تاريخ القرى مليء بالتفاصيل المغمورة، هل ترين أن هناك أحداثاً وشخصيات في تاقربوست ما زالت تستحق تخصيص مؤلفات مستقلة لها؟ وماذا عن حضور قامات وطنية في كتابك مثل المجاهد الراحل سليمان عميرات؟
الأستاذة بوعقلين: نعم، الكتاب جاء عاماً وشاملاً، ولذلك أظن أن هناك أحداثاً وشخصيات وأشخاصاً يستحقون فعلاً أن نسلط الضوء عليهم أكثر ونكتب عنهم بالتفصيل المستقل؛ مثل شهداء الثورة التحريرية بالمنطقة، المعلمين القدماء، ونساء القرية اللواتي صنعن التاريخ بصمودهن.
أما بخصوص الرموز الوطنية، فإن الشخصيات التي صنعت تاريخ المنطقة تعتبر فخراً واعتزازاً لتاريخنا؛ والمجاهد سليمان عميرات يُعد إضافة كبرى وثقيلة لتاريخ الجزائر ككل، ونحن عندما نكتب، فإنما نكتب لنخلد أسماء هؤلاء الأبطال وأعمالهم لتبقى حية في ذاكرة الأجيال.
يشتكي الباحثون عادة من صعوبة جمع الشهادات ميدانياً، لكنكِ صرحتِ بعكس ذلك تماماً. أين كانت الصعوبة الحقيقية إذن لإخراج كتاب تاقربوست إلى النور؟
الأستاذة بوعقلين: الحقيقة أنني لم أجد أي صعوبة تذكر في جمع الأحداث، أو التنقل لزيارة الأشخاص، أو إجراء الزيارات الميدانية، الصعوبة الحقيقية والمرة كانت "إدارية" وبيروقراطية بامتياز! لقد وجدتُ صعوبة بالغة في الحصول على رخصة من وزارة الثقافة لأن الكتاب يضم مستندات دقيقة وصوراً لمعالم ومواقع أثرية محمية، واستغرق الأمر مني 4 سنوات كاملة لأحصل على هذه الرخصة!
ولم يتوقف الأمر هنا، بل واجهتُ صعوبة أخرى في طبعه؛ حيث بقي الكتاب عامين كاملين حبيس أدراج دار النشر بتيزي وزو، رغم أنه عُرض على لجنة القراءة منذ عام 2016! لكن في النهاية، كل المستندات المهمة والتي تخدم تاريخ القرية وتصونها تمكنا من وضعها في الكتاب.
الكتاب المدرسي يقدم محتوى مهماً، لكن 'بصرنة' المعلومة بالمخططات هي الحل الأنجع لعقدة الحفظ
أستاذة، كلامكِ فيه الكثير من الحرقة الواقعية عندما قارنتِ بين هيبة الأستاذ والمؤلف وبين بريق "مؤثري السوشيال ميديا"، بصفتكِ باحثة ألّفتِ في "استراتيجيات التعلم النشط" المعتمدة من الوزارة، هل استسلامنا لهذا الواقع يعني أننا خسرنا المعركة ضد الشاشات؟ أم أن كتابك الجديد القادم يحمل وصفة لجرّ هذا الجيل نحو الكتاب؟
الأستاذة بوعقلين: الحقيقة المرة أن هذا الجيل من التلاميذ حالياً لا يهتم للأستاذ كونه مؤرخاً، أو كاتباً، أو مؤلف كتب، ولا يملك اهتماماً بقصص الأجداد أو تاريخ وطنه، لو كنتُ أحد المؤثرين في مواقع التواصل الاجتماعي في مجال آخر حينها فقط سألقى اهتماماً عندهم، وسوف يستمعون إليك ويقدرون عملك.. (تضحك مسترجعةً) "ياو تجيب لهم آينشتاين يقريهم والله ما يستعرفوا به!".
توجد حالياً ثغرة عميقة جداً في مجتمعنا، وفي منظومتنا التربوية، وفي مدارسنا؛ وأظنني سأكتفي بهذا القدر وأترك تشاؤماتي عندي، لأنك لن تفهم عمق هذه الثغرة وحجمها إلا إذا كنت واقفاً في الميدان.. قيمة المعلم وقيمة العلماء لم تعد أبداً كما كانت في الماضي.
توجد ثغرة عميقة في منظومتنا التربوية ومدارسنا.. ولن تفهم حجمها حتى تكون واقفاً في الميدان
رغم هذه الحرقة الميدانية، ما هي مشاريعكِ القادمة؟ وهل هناك نية للتوسع جغرافياً أو اقتحام مجالات كتابة أخرى؟
الأستاذة بوعقلين: من جانب آخر، أنا أتفاءل دائماً وأتمنى أن أمضي قدماً في مسيرتي في الكتابة، فلا تنسى أنه لم يمضِ لي إلا عامان فقط في هذا المجال ككاتبة تنشر أعمالها، حالياً، أنا أواصل العمل في الجانب التربوي؛ حيث أكملتُ كتاباً جديداً سيتم تطبيقه مع العام الجديد بإذن الله.
أما تاريخياً، فالمشاريع قائمة وربما تشهد التوسع في تاريخ القرية خاصة المرحلة الاستعمارية، أو الانتقال للكتابة عن مناطق مجاورة كمنطقة الشرفة وقرى دائرة امشدالة برمتها، وفوق هذا كله، عندي ميول جدي وشغف كبير لكتابة الروايات، وهناك عملان روائيان سيريان النور قريباً بإذن الله وهما: (Tagnawt n Numidia) و (Taghremt n Lejdud).
أصعب ما في كتابة تاريخنا المحلي لم يكن مشقة الميدان.. بل المعارك البيروقراطية وعقبات النشر!
ختاماً، ما هي الرسالة التي توجهينها من واقع تجربتكِ لكل أستاذ أو باحث يملك قلماً لكنه يتردد متحججاً بضيق الوقت أو انشغالات الحياة؟
الأستاذة: أقول لهم بكل ثقة: اكتب لأنك تحب ذلك فقط، ومن أحب الكتابة سيكتب بالتأكيد، القضية في عمقها ليست مشكلة وقت أو مشكلة كفاءة؛ بل هي مسألة شغف وإرادة.. كل من يبدأ في طريق الكتابة بصدق اكيد لن يتوقف، الأمر يحتاج القليل من الإرادة فقط، ربي يوفقنا ويوفقكم جميعاً.
أستاذتنا الفاضلة.. لقد لمستِ بكلماتكِ الأخيرة وتراً حساساً يعيشه كل غيور على المدرسة والمنظومة التربوية، قد تكون 'التشاؤمات' التي تحدثتِ عنها هي في الحقيقة 'واقعية مرّة' يتقاسمها معكِ كل من يعرف قيمة الحبر والطبشور، لكن تفاؤلكِ وتمسككِ بالكتابة كفعل حُب ومقاومة ثقافية هو الأمل الذي نتمسك به جميعاً.
خلال عامين فقط من دخولكِ عالم النشر، قدمتِ للمكتبة التربوية والتاريخية ما قد يعجز عنه الكثيرون في عقود، وهذا يؤكد أن القضية -كما قلتِ- هي قضية شغف وإرادة وليست مجرد وقت.
باسم منصة (شرفة ميديا)، نشكركِ على هذا الحوار الصادق والعميق، ونشد على يدكِ لمواصلة تدوين ذاكرة تاقربوست ومحيطها، وفي انتظار أن ترى رواياتكِ القادمة النور بإذن الله، شكراً لكِ، ووفقنا الله وإياكم.
إلى هنا نصل متابعينا إلى نهاية هذا الحوار الشيق والعميق مع الأستاذة الباحثة تسارا بوعقلين، والتي أثبتت لنا اليوم أن الذاكرة الوطنية ليست مجرد نصوص تُحفظ، بل هي إرث يُعاش ورسالة تُحمل بكثير من الإرادة والشغف.
باسم منصة (Chorfa Média)، نجدد شكرنا الجزيل لضيفتنا على هذا اللقاء الصادق، ونتمنى لها مزيداً من العطاء والتميز في مسيرتها التربوية والأدبية القادمة لخدمة تاريخ المنطقة والوطن.
شكراً لكم على حسن المتابعة، وإلى لقاءات وتغطيات خاصة أخرى.. دمتم في أمان الله.
.jpg)
