
محاضرة الوزير السابق بشير مصيطفى
بقلم ڤاسي جيلالي
في مفارقة عجيبة تختزل الهوة السحيقة بين النخبة الأكاديمية والجيل الجديد، شهدت قاعة المحاضرات بثانوية "عليان حميمي" ببلدية الشرفة، ندوة فكرية من الوزن الثقيل، غاب عنها "العريس" الحقيقي للحدث؛ وهو الشباب!
المحاضرة التي أطرها الوزير الأسبق والخبير الاقتصادي، البروفيسور بشير مصيطفى، جاءت تحت عنوان مثير للاهتمام: «دور الشباب الجزائري في الربع الثاني من القرن 21 (2025 - 2050): رؤية استشرافية»، لكن الملاحظين صُدموا بمشهد القاعة؛ كراسي شاغرة، وحضور يطغى عليه كبار السن والمتقاعدون، في حين غاب الشباب المستهدفون بالرؤية الإستراتيجية غياباً شبه تام!
هذا المشهد يطرح سؤالاً جوهرياً وحارقاً: أين الخلل؟ ولماذا فشل حدث بهذا الحجم في استقطاب الفئة المعنية به؟
تشخيص الأزمة: 4 أسباب صنعت "الفجوة"
من خلال قراءة موضوعية للحدث، يمكن حصر مكامن الخلل في نقاط أساسية تفسر عزوف الشباب:
1. "فوبيا" الخطاب الأكاديمي الجاف
عندما يرى شاب في مقتبل العمر ملصقاً يحمل مصطلحات مثل "الرؤية الاستشرافية"، "القياس الاقتصادي"، أو "الألفية الثالثة"، يتولد لديه انطباع فوري بأن المحاضرة عبارة عن درس جامعي ممل ومعقد، الشباب اليوم يبحثون عن لغة بسيطة، مباشرة، وتلامس همومهم اليومية كالبطالة، كسب المال، والمشاريع المصغرة، وليس الغوص في نظريات إحصائية بعيدة عن واقعهم المعيشي.
2. التسويق الرقمي العقيم (عقلية الإعلانات الكلاسيكية)
اعتمد المنظمون على الطرق التقليدية في الترويج؛ تعليق ملصق جداري أو نشره على صفحات فيسبوك رسمية لا يتابعها الشباب أصلاً، الجيل الجديد هجر هذه المنصات التقليدية نحو "إنستغرام" و"تيك توك" والمجموعات المحلية غير الرسمية، غياب الفيديوهات القصيرة (Reels) الترويجية باللغة العامية القريبة من الشارع جعل الحدث يمر في صمت بالنسبة لهم.
3. أزمة ثقة تراكمية ("كلام في كلام")
يعيش الشباب الجزائري أزمة ثقة تجاه "الخطابات النظريّة"، هناك اعتقاد سائد بأن المسؤولين والخبراء يأتون لإلقاء محاضرات من أبراج عاجية دون تقديم "حلول ملموسة" أو "فرص حقيقية" على أرض الواقع، هذا الانطباع، وإن كان مجحفاً في حق قامة علمية كالبروفيسور مصيطفى، إلا أنه دفع الشباب لتفضيل المقاهي وتصفح الهواتف على الجلوس لساعتين في ندوة فكرية.
4. توقيت قاتل (الجمعة زوالاً)
اختيار يوم الجمعة على الساعة الثانية زوالاً كان خياراً غير موفق لاستقطاب فئة الشباب، فهو توقيت عائلي بامتياز، أو وقت للراحة والأنشطة الترفيهية بعد أسبوع حافل بالدراسة أو العمل، بينما يمثل وقت فراغ مثالي لكبار السن والمتقاعدين الشغوفين تقليدياً بحضور مثل هذه اللقاءات الرسمية.
إن ما حدث في بلدية الشرفة ليس مجرد "قاعة فارغة"، بل هو جرس إنذار لكل الجمعيات والمؤسسات الثقافية، إذا أردنا "صناعة الغد" مع الشباب، فعلينا أولاً أن ننزل إلى الشارع ونخاطبهم بالأدوات التي يفهمونها، وباللغة التي يثقون بها، المحاضرة القادمة بحاجة إلى "عقلية تسويق جديدة" لا إلى "عناوين رنانة" في قاعات مغلقة.
.jpg)