بقلم ڤاسي جيلالي
في كل مرة تقترب فيها المواعيد الانتخابية، تعود نفس المشاهد المكررة إلى الشارع الجزائري: قاعات مكتظة، خطابات حماسية، ووعود تتلون بأشكال مختلفة، أحزاب تُقدّم نفسها كصوت للمعارضة و"بديل" منشود، تستيقظ فجأة من غيبوبة دامت سنوات، لتطل برأسها قبل إعلان "ساعة الصفر"، ثم تختفي مجددًا بمجرد فرز صناديق الاقتراع.
هذا السلوك لم يعد يمر مرور الكرام، بل أصبح يثير موجة من الشك والتهكم لدى فئات واسعة من المواطنين، الذين بدأوا يطلقون عليها تسمية "أحزاب موسم الحصاد".
يقول “أحمد.ب”، موظف في الثلاثينات: “نراهم فقط في الحملات الانتخابية، يتحدثون عن مشاكلنا وكأنهم معنا طوال الوقت، لكن بعد الفوز أو الخسارة، لا أحد يعود ليسأل عنا”، نفس الشعور تشاركه “سميرة.ك”، وهي أم لثلاثة أطفال: “حتى الأحزاب التي تقول إنها معارضة، لا نراها إلا وقت الانتخابات، من المفروض أن تكون أقرب للناس، لكن الواقع عكس ذلك”.
يرى متابعون أن جزءًا كبيراً من الأزمة يعود إلى تحول بعض الأحزاب إلى ما يشبه "آلات انتخابية" تقنية، لا تنشط إلا عند الحاجة للصوت، وبدل الاشتغال اليومي على تأطير المواطنين وقضايا المجتمع، يتم اختزال النضال في "حملة مكثفة" واجتماعات ظرفية سرعان ما تنفض.
يقول "سعيد.م"، وهو عضو سابق في أحد الأحزاب وسبق له الفوز بمقعد محلي: "بصراحة، لم يكن هناك عمل ميداني حقيقي طوال السنوات. كنا نبدأ التحرك قبل الانتخابات بأشهر قليلة فقط لمحاولة تعويض الفراغ".
نبض الشارع: "تبانو غير في الانتخابات!"
تعليقات المواطنين في المقاهي وعبر منصات التواصل الاجتماعي كانت أكثر حدة ومباشرة، حيث تعكس فجوة الثقة العميقة، يقول أحد المواطنين بمرارة: "وقت الحصاد خويا.. يجيو غير بالزغاريد والشموع"، في إشارة إلى الأجواء الاحتفالية المصطنعة التي تسبق الانتخابات.
بينما يرى آخرون أن لغة الخطاب تختلف تماماً عندما يصل هؤلاء إلى الكراسي، حيث يعلق أحدهم: "Mais il parle pas comme ça au parlement" (لكنه لا يتحدث بهذا الشكل في البرلمان)، مضيفاً بتساؤل استنكاري: "وعلاش ما تقولش هذا الكلام في قبة البرلمان والتلفزيون؟".
هذه الازدواجية في الخطاب جعلت الكثيرين يستذكرون زمن "العمالقة" بنوع من الحنين الممزوج بالأسف، كما جاء في تعليق أحد الغيورين على النضال التاريخي: "يرحم برك دا حسين (آيت أحمد) زعيم.. طابو اللي استقال من الحزب.. عاش الأفافاس لكن ليس بأيدي آمنة".
أحزاب السلطة مقابل "سبات" المعارضة
في المقابل، تحافظ أحزاب السلطة على حضورها المستمر، ليس بالضرورة لقوة برنامجها، بل لارتباطها بتسيير الشأن العام وتواجدها الدائم في تدشينات المشاريع وتوزيع السكنات، مما يجعلها "موجودة" في وعي المواطن بحكم الموقع الإداري، أما المعارضة، فغالباً ما تبرر غيابها بنقص الإمكانيات، وهو مبرر يراه المواطن واهياً، لأن النضال الحقيقي يكون وسط الناس وفي المداشر، وليس في الصالونات المكيفة.
هذا التباين خلق شعوراً عاماً بأن السياسة أصبحت نشاطاً موسمياً مربحاً للبعض، وليست التزاماً تجاه قضايا الأمة، ومع تكرار نفس السيناريو، يتعزز العزوف وتزداد قناعة المواطن بأن الوعود تتبخر بمجرد "ركوب الحافلة" نحو المجالس الموقرة.
بين الواقع والمأمول، هل يمكن أن تتغير هذه المعادلة؟ الإجابة ترتبط بمدى قدرة الأحزاب على إعادة بناء نفسها كقوة حاضرة يومياً، وبقدرة المواطن على المحاسبة وقول كلمة: "تبانو غير في الانتخابات" وجهاً لوجه لكل من يطرق بابه طلباً لصوته بعد غياب خمس سنوات.
.jpg)
