تقرير خاص – الشؤون السياسية والانتخابية
تعيش التشكيلات السياسية باختلاف توجهاتها حالة من الذعر والتخبط التنظيمي غير المسبوق، عقب صدور قرارات الغربلة الأولية من طرف المندوبيات الولائية للسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، والتي أسفرت عن إقصاءات بالجملة طالت وجوهاً بارزة وأسماء ثقيلة كانت تعتبر نفسها رقماً صعباً في تشريعيات 2 جويلية.
المادة 200: الفلتر الصارم
السبب الرئيسي وراء هذا "التسونامي الانتخابي" يعود بالدرجة الأولى إلى التطبيق الصارم للمادة 200 من قانون الانتخابات الجديد، هذه المادة التي وضعت شروطاً دقيقة وقاسية تتعلق بنزاهة المترشحين، وإبعاد شبهات المال الفاسد، والارتباط بأي سوابق أو شبهات قد تمس بصدقية المجالس التشريعية، تحولت إلى "فيلتر قانوني" لم يترك مجالاً للمناورة أو الكولسة الحزبية التقليدية.
سقوط القوائم بالكامل وإقصاء "أصحاب العهدات"
المفاجأة المدوية التي هزت بيت عدة أحزاب في مختلف الولايات، هي أن الإقصاءات لم تتوقف عند حدود شطب أسماء فردية، بل امتدت لتؤدي إلى إسقاط قوائم بأكملها بعد اختلال توازنها القانوني والشروط الملزمة (مثل نسب الشباب والمناصفة).
والأكثر إثارة في هذه الغربلة، هو عدم تفريق القانون بين مترشح جديد وبين "أصحاب النفوذ الحاليين"؛ حيث طالت مقصلة المادة 200 نواباً برلمانيين حاليين أوشكت عهدتهم على الانتهاء، بالإضافة إلى منتخبين بارزين في المجالس الشعبية الولائية والبلدية، والذين وجدوا أنفسهم خارج السباق بقرارات رسمية معللة.
"من حفر جباً لأخيه وقع فيه".. طباخ السم يذوقه!
وهنا تبرز المفارقة السياسية الأكثر سخرية وطرافة، والتي تصنع الحدث في كواليس هذه الاستحقاقات؛ فهؤلاء البرلمانيون الذين يملؤون المنابر اليوم "بالشكوى والنديب"، ويتباكون في القنوات والبيانات واصفين الإقصاء بـ "المؤامرة والعراقيل الإدارية"، هم أنفسهم من جلسوا بالأمس تحت قبة البرلمان ورفعوا أيديهم للمصادقة والتصويت بـ "نعم" على هذا القانون ومادته الـ 200 الصارمة!
حينما صاغوا القانون وصوتوا عليه، ظنوا في قرارة أنفسهم أن مقاعدهم وحصانتهم أبدية، وأن المقصلة القانونية ستُطبق فقط على المترشحين الجدد والشباب الطامح للتغيير، لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن الكواليس؛ ليرتد السحر على الساحر، ويجد "نواب الأمس" أنفسهم في تسلل فاضح وأول ضحايا الفلتر القانوني الذي شرّعوه وفصّلوا تفاصيله بأيديهم.
بين الشكوى الحزبية ووعي الشارع
وفي الوقت الذي تتعالى فيه أصوات البكائيات الإعلامية من طرف قيادات حزبية حاولت تسويق هذه الإقصاءات كمظلومية، يرى مراقبون للشأن الميداني أن هذا الصراخ يعكس عجز الأحزاب البنيوي عن تقديم وجوه نظيفة وكفاءات قادرة على تجاوز الفحص القانوني الجاد.
الشارع اليوم لا يملك إلا أن يبتسم أمام هذه العدالة القانونية، فقد أثبتت محطات كثيرة أن المواطن سئم الوجوه التي تقتات على العهدات المتتالية دون تقديم إضافة تنموية، وجاءت مقصلة المادة 200 لتؤكد أن زمن تفصيل القوانين على مقاس الأشخاص قد ولى، وأن الصندوق لا يرحم من خانته بصيرته السياسية، لتنقية المجالس وتجديد النخب بعيداً عن شراء المقاعد وهندسة الكواليس.
.jpg)
