![]() |
| عتماني عبد الكريم المدعو Bassou |
بقلم: ڤاسي جيلالي
لا تخلو مدينة أو قرية من شخصيات استثنائية، أولئك الذين بمجرد ذكر أسمائهم في جلسات الأصدقاء أو في ساحات البلدة، ترتسم الابتسامة على الوجوه وتستحضر الذاكرةُ عشرات المواقف التي تداخل فيها الواقع بالخيال، في "الشرفة"، كان عتماني عبد الكريم، أو كما يعرفه الجميع بـ "بسو"، واحداً من هؤلاء الذين حفروا أسماءهم في سجل "الحكايات الشعبية".
"لا أزال أذكر أيام الدراسة في ثانوية الشرفة (2005-2006)، حين كان أستاذ اللغة الفرنسية، كسرًا لروتين الحصة، يبادرني بالقول: 'جيلالي، قبل أن أبدأ تقديم الدرس لكم يجب عليك ان تقص علينا قصة من حكايات بسو'، كانت تلك اللحظات ليست مجرد ضحك، بل كانت جزءاً من هويتنا الجماعية التي نعتز بها.."
من هو "بسو"؟
بعيداً عن القصص التي تتردد في المقاهي، "بسو" هو ابن هذه الأرض، جزء من نسيجها الاجتماعي، لقد كان رمزاً لعفوية مرّت عبر أزمنة الشرفة، حيث لم تكن الأيام تُقاس بالأحداث الكبيرة فقط، بل بتلك الطرائف والمواقف التي كانت تخفف عن الناس ضغوط الحياة.
ظاهرة "القصص المنسوبة".. أين الحقيقة؟
من الطبيعي جداً في مجتمعاتنا المحلية أن تتحول بعض الشخصيات إلى "مغناطيس للقصص"، يروي العارفون ببواطن الأمور في الشرفة أن الكثير من الطرائف التي يُتداول أنها حدثت مع "بسو" هي في الحقيقة "إسقاطات" شعبية؛ فكلما حدث موقف طريف أو "قصفة" ذكية، سرعان ما ينسبها الناس لـ "بسو" ليضفوا عليها طابعاً فكاهياً محبباً.
إن هذه "اللسقة" التي يمارسها المجتمع ليست انتقاصاً، بل هي نوع من "الاستئناس" بالشخصية، لقد أصبح "بسو" بطلاً في "سينما الخيال الشعبي" للشرفة، حيث يجد الناس في قصصه -سواء كانت حقيقية أم من نسج الخيال- متنفساً للضحك ومادة دسمة لتقريب المسافات بين الناس.
إن حكايات "بسو" هي مرآة لعصر مضى في الشرفة، عصر كان فيه الضحك بسيطاً والقصص تُحكى في الساحات، اليوم، ونحن نتذكر عتماني عبد الكريم، لا نتذكر فقط "الضحكة"، بل نتذكر وجهاً من وجوه تراثنا الشفوي الذي بدأ يندثر في زمن التكنولوجيا.
من مقاهي الشرفة إلى أثير "إذاعة الصومام":
لم تعد قصص "بسو" حبيسة المجالس الخاصة أو المقاهي في الشرفة، بل تجاوزت حدودنا الجغرافية لتصل إلى أثير إذاعة الصومام من بجاية, ففي حصص الطرائف المباشرة، كان اسم "عتماني عبد الكريم" يتردد بانتظام، حيث يتسابق المواطنون لسرد مغامراته، وصول "بسو" إلى الإذاعة الجهوية هو أكبر دليل على أنه تحول من مجرد شخصية محلية إلى "ظاهرة شعبية" يتبناها الجميع.
"لا يرى أبناء الشرفة في 'بسو' مجرد شخصية طريفة، بل يذهب البعض إلى أبعد من ذلك؛ إذ يصفونه بـ 'الحكيم الساخر' (le sage humoriste), فكلامه الذي يبدو في ظاهره مجرد مزاح، غالباً ما يحمل في طياته رسائل عميقة وتنبؤات اجتماعية حادة, إن 'بسو' كان يمارس -بعفويته- دوراً نقدياً، حيث يمرر الحقائق المغلفة بالضحك، وهو ما يجعلنا نتساءل اليوم: هل كنا نضحك على كلامه، أم كنا نضحك على الحقيقة التي كان يواجهنا بها دون أن نشعر؟"
سنظل نتذكر "بسو"، ليس فقط كبطل للنوادر، بل كجزء من تاريخ الشرفة الإنساني الذي يستحق أن نبتسم حين نذكره، ونحترم ما يمثله في ذاكرة جيل بأكمله.
.jpg)
