![]() |
| مدرسة وزاوية العلامة الشيخ أبي زيد عبد الرحمن الوغليسي. |
تحقيق |شرفة ميديا
في أعالي مدينة بجاية النابضة بالحياة، وحيث تداعب نسمات البحر الأبيض المتوسط قمم الجبال الخضراء، يرقد جزء هام من تاريخ الجزائر الثقافي والروحي في صمت مطبق هنا، خارج أسوار المدينة القديمة، في منطقة "سيدي والي" (حي النبي حالياً)، تقبع أطلال مدرسة وزاوية العلامة الشيخ أبي زيد عبد الرحمن الوغليسي.
كان هذا المكان، قبل قرون، منارةً للعلم يقصدها طلاب المعرفة من كل حدب وصوب، واليوم، لا نسمع فيه سوى صدى الريح، ونرى آثار النسيان الذي يكاد يمحو معالمه التاريخية.
من هو العلامة الوغليسي؟ "فقيه الجزائر" المنسي
ولد الشيخ عبد الرحمن الوغليسي في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر ميلادي)، ونسبته إلى قبيلة "آث وغليس" العريقة بمنطقة سيدي عيش ببجاية، لم يكن مجرد عالم عابر، بل كان قامة سامقة في الفقه المالكي، والتصوف السني السلوكي، والتربية الروحية.
أرسى الشيخ منهجاً تربوياً وعلمياً جعل من زاوِيته مقصداً كبيراً، ويُعرف بـ "صاحب الوظيفة"، وهي "الوظيفة الوغليسية"، مجموعة من الأذكار والأوراد التي صاغها لتكون منهجاً يومياً للمؤمنين، وما تزال تتردد صداها في بعض الزوايا إلى اليوم.
ولكن أشهر ما تركه هو كتابه المختصر: "المقدمة الوغليسية" (المبين في الصورة كمخطوط قديم)، كان هذا الكتاب بمثابة "الأبجدية الدينِيّة" لأجيال من الطلبة، حيث يبسط أركان العقيدة والفقه والتصوف بأسلوب سلس جعله يُدرس في حواضر العلم الكبرى بالمغرب الكبير.
![]() |
| المقدمة الوغليسية".. مخطوط يشهد على عمق المعرفة وفقه سيدي عبد الرحمن الذي كان يُدرس للأجيال. |
"عبد الرحمن بومبيلة": صدى أقدام الطلبة وحكايات الإهمال
في جولة داخل الأطلال، يلفت انتباهك مباشرة ذلك الحوض الحجري المنحوت ببراعة في الصخر، والمشرف على السفوح الجبلية نحو البحر والميناء، يعرف هذا الحوض شعبياً باسم "المبيلة"، ومنه اشتق الاسم المحلي للموقع: "عبد الرحمن بومبيلة".
كانت هذه "المبيلة" شاهداً يومياً على حركة لا تتوقف؛ حيث يتوضأ الطلبة قبل حلقات العلم، ويشربون من مياهها العذبة التي كانت تصل عبر أنظمة سقي تقليدية ذكية.
![]() |
| المبيلة".. حوض الوضوء التاريخي الذي كان يجمع الطلبة قبل الفجر، يطل اليوم بصمت على مدينة بجاية التي يبدو أنها نسيت إرث عالمها. |
الصدمة: من محراب للعلم إلى مكب للنفايات!
التجول أعمق داخل الزاوية يكشف عن حجم الإهمال الفظيع الذي يطال المعلم، الجدران التي كانت تحتضن حلقات القرآن تتهدم يوماً بعد يوم، والأقواس الفنية العريقة تتساقط أجزاؤها، الصدمة الأكبر كانت في رؤية ساحة الزاوية وقد تحولت إلى مكب للنفايات والزجاجات الفارغة، مما يشير إلى استغلال المكان بطرق لا تليق بقدسيته وقيمته التاريخية.
![]() |
| مشاهد مخزية.. ساحة الزاوية التي كانت عامرة بذكر الله، أصبحت اليوم مرتعاً للمنحرفين ومكباً لزجاجات الخمر والنفايات. |
نداء عاجل: أنقذوا "أطلال العِلم" في بجاية
إن تحويل مدرسة فقيه الجزائر وعالمها إلى ركام تذروه الرياح هو خسارة لا تُعوض للهوية الثقافية لبجاية وللجزائر قاطبة، فهل من لفتة صادقة من مديرية الثقافة والشؤون الدينية؟ هل من تحرك للمجتمع المدني والجمعيات المهتمة بالتراث لإعادة الاعتبار لهذا المعلم وتحويله إلى مزار ثقافي وسياحييليق بمكانة صاحبه؟
لا يجب أن يُمحى تاريخنا بأيدينا، "الوغليسي" ليس مجرد اسم في كتب التاريخ، بل هو جزء من الروح العلمية والأخلاقية التي ميزت منطقتنا، والحفاظ على زاوِيته هو حفاظ على هذه الروح للأجيال القادمة.
.jpg)



