بقلم: ڤاسي جيلالي/هيئة التحرير - شرفة ميديا
في الذاكرة الجماعية لبلدية الشرفة، يظل اسم البروفيسور علي ڤاسي (Ali Gaci) مرادفاً للنجاح المبني على العلم والرزانة، لكن خلف هذه الصورة المألوفة لابن المنطقة البار، يكمن عقل أكاديمي فذّ كان من أوائل الذين شرّحوا "أعطاب" الدولة الجزائرية وجهازها الإداري بكثير من الجرأة والاستشراف.
باريس 1988: البحث عن مكمن الخلل
لم تكن مسيرة البروفيسور علي ڤاسي الأكاديمية وليدة الصدفة، بل نتاج جهد بحثي معمق بدأه من قلب العاصمة الفرنسية باريس، ففي عام 1988، وقف الشاب علي ڤاسي في جامعة باريس 7 (Paris 7) ليناقش أطروحة الدكتوراه في علم الاجتماع تحت إشراف البروفيسور "دانيال شاف" (Daniel Chave).
كانت الأطروحة تحمل عنواناً شكّل فيما بعد خارطة طريق لأبحاثه: "التنظيم البيروقراطي: حالة القطاع الصناعي العام في الجزائر"، في هذا العمل، لم يكتفِ بوصف الظاهرة البيروقراطية كخلل إداري بسيط، بل فكك جذورها العميقة المتداخلة بين الإرث التاريخي، والتناقضات المؤسساتية، وتأثير البيئة الاجتماعية والثقافية، لقد وضع البروفيسور يده على الجرح مبكراً؛ متسائلاً عن سبب ضعف فعالية القطاع العام رغم الصرامة الإدارية، ليخلص بناءً على "تحقيق ميداني معمق داخل مؤسسة عمومية" إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بفهم سوسيولوجيا التنظيم.
حكيم "بوزريعة" وطبيب المجتمع
هذا العمق الفكري نقله البروفيسور معه إلى مدرجات جامعة الجزائر 2 (بوزريعة)، حيث تدرج في الرتب العلمية حتى أصبح عميداً لكلية العلوم الاجتماعية هناك، لم يكن مجرد إداري، بل كان مرجعاً ملهماً لطلبة علم النفس، يغرس فيهم روح النقد والتحليل الميداني.
وعندما انتقل إلى شاشة التلفزيون الجزائري، تحول إلى "محلل لنبض الشارع"، بأسلوبه الهادئ ولغته الراقية، استطاع تبسيط المفاهيم النفسية المعقدة، معالجاً قضايا الهوية، الشباب، والتغيرات الأسرية، مما جعله وجهاً مألوفاً وموثوقاً لدى العائلات الجزائرية التي رأت فيه الحكيم الذي يقرأ الواقع بعين العلم وقلب المواطن.
الوفاء للجذور: ابن الشرفة الذي لم تغره الأضواء
رغم استقراره في العاصمة وبلوغه أعلى المراتب الأكاديمية، ظل البروفيسور علي قاسي وفياً لـ بلدية الشرفة ولجذوره في منطقة مشدالة، كان يجد في مسقط رأسه السكينة التي تفتقدها صخب العاصمة والجامعة، يُشهد له بتواضعه الجمّيع؛ فبينما كان "البروفيسور العميد" في بوزريعة، كان في الشرفة "ابن المنطقة" الذي يشارك الناس أفراحهم وأقراحهم، مما جعل منه قدوة حية لشباب المنطقة بأن التميز لا يعني أبداً الانصلاخ عن الأصل.
24 جوان 2015: رحيل وبصمة خالدة
في الرابع والعشرين من جوان عام 2015، ترجل الفارس عن صهوة علمه، تاركاً وراءه إرثاً أكاديمياً ثرياً من المقالات العلمية والمداخلات التلفزيونية، والأهم من ذلك، سيرة عطرة تجمع بين الصرامة العلمية والتواضع الإنساني، رحل البروفيسور علي ڤاسي، لكن بصمته في كلية العلوم الاجتماعية بـ "بوزريعة" وفي قلوب أبناء "الشرفة" ستظل حية، تذكرنا بأن العلم هو الرسالة الأسمى، وأن الوفاء للجذور هو شيمة الكبار.
المصادر:
أرشيف الأطروحات الفرنسية (theses.fr).
سجلات جامعة الجزائر 2.
شهادات حية من أبناء بلدية الشرفة.
.jpg)
