![]() |
| قلعة آث عباس من موقع Google earth |
بقلم: شرفة ميديا
في قلب جبال "البيبان" الوعرة، وعلى ارتفاع شاهق يصل إلى 1084 متراً فوق سطح البحر، تقف قلعة آث عباس شاهدة على عصر ذهبي من القوة والاستقلالية، هذه القلعة التي وصفتها الدراسات التاريخية بأنها "آخر إمارة في المغرب الأوسط"، لم تكن مجرد حصن عسكري، بل كانت تجسيداً لدهاء سياسي وعسكري استطاع الموازنة بين القوى العظمى في القرن السادس عشر.
المنعة الجغرافية وعبقرية التأسيس
لم يكن اختيار موقع القلعة بمحض الصدفة؛ فهي تقع فوق هضبة رملية حصوية شديدة الانحدار، لا يمكن الوصول إليها إلا عبر درب واحد ضيق، مما جعلها "منعة طبيعية" يصعب اختراقها، بدأت قصة هذه الإمارة مع الشيخ عبد الرحمان، لكن بزوغها الحقيقي كمملكة قوية كان على يد ابنه السلطان "أحمد الأول" (1500-1510م) الذي نجح في تحصينها قبل سقوط بجاية في يد الإسبان عام 1510م.
ويروي التاريخ أن أول اختبار عسكري حقيقي للقلعة كان في مواجهة إمارة "كوكو"، حيث استخدم المدافعون وسائل بدائية كالحجارة وجذور الأشجار الضخمة لصد الهجوم، محققين انتصاراً عزز من هيبة الإمارة الناشئة.
السلطان عبد العزيز.. "مهندس" الدولة والجيش
بلغت الإمارة ذروة مجدها في عهد السلطان عبد العزيز (1510-1559م)، الذي لم يكتفِ بالتحصينات الطبيعية، بل أسس جيشاً نظامياً قوياً وصل تعداد جنوده إلى 10 آلاف جندي، تميز عبد العزيز بدهاء حربي فريد؛ إذ تحالف مع الإسبان في بجاية لتزويده بالبارود والبنادق مقابل المؤونة، واستعان بخبراتهم لتقوية ثغرات القلعة.
امتد نفوذ "آث عباس" في عهده ليصل إلى حدود تونس شرقاً، وورقلة وتوقرت والصحراء جنوباً، وحتى منطقة مزاب والأغواط غرباً، كما ساهمت هذه القوة في دعم الوجود العثماني بالجزائر في محطات حاسمة، مثل استرجاع تلمسان عام 1552م.
عصر الرخاء والعدالة
بعد وفاة عبد العزيز، تولى الأمير أحمد أمقران (1559-1596م) الحكم، ليركز على الجانب الإنساني والتنظيمي، قام بإعفاء أقاربه من الضرائب، وقسم الأراضي على الفلاحين، وأنشأ المدارس والعيون، مما خلق حالة من الرخاء الاقتصادي، عسكرياً، كان أمقران مبتكراً؛ إذ استعمل "نظام الشوافت" (محطات الإشارة) التي تعمل بالدخان نهاراً والنار ليلاً لنقل الأخبار العسكرية من الجنوب إلى القلعة بسرعة البرق.
نهاية الحقبة السيادية
لم تدم هذه الاستقلالية طويلاً في ظل صراع القوى؛ فبحلول عام 1604م، وفي نهاية عهد "سي ناصر"، سقطت الإمارة سياسياً في يد السلطة العثمانية، وانتقل مقر الحكم من القلعة المحصنة إلى منطقة "مجانة"، لتتحول القلعة من مركز إمارة سيادية إلى مجتمع يدير شؤونه بنظام "ثاجماعت" العرفي، الذي حافظ على روح القلعة وهويتها لقرون تلت.
إن تاريخ قلعة بني عباس ليس مجرد سرد للأحداث، بل هو درس في كيفية صمود المجتمعات المحلية أمام العواصف السياسية، مستفيدة من تضاريس الأرض وذكاء القادة لتسطر صفحة لا تُنسى من تاريخ الجزائر.
المرجع الرئيسي للدراسة:
- بودرواز، عبد الحميد؛ وبوزيد، فؤاد. (2022). المؤسسات الإدارية والتنظيمية بقلعة بني عباس في ظل الوجود العثماني بالجزائر (1510م-1830م)، المجلة التاريخية الجزائرية، المجلد 06، العدد 01، ص ص. 468-483. جامعة المسيلة، الجزائر.
قائمة المصادر والمراجع التفصيلية (حسب ورودها في محتوى المقال :
1. حول تأسيس الإمارة والظروف السياسية:
- أث ملويا، الحسين بن شيخ. قلعة بني عباس (أو آث عباس)، ترجمة السعيد بوشعير، دار هومة، الجزائر، 2011.
- فرايس، شارل. بجاية ومملكة قلعة بني عباس، ترجمة الهادي بن حدوقة، المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، الجزائر، 2004.
2. حول جغرافية وتحصينات القلعة:
- بودرواز، عبد الحميد. تاريخ قلعة بني عباس (800هـ-1300هـ / 1397م-1883م)، مذكرة ماجستير في التاريخ الوسيط، جامعة قسنطينة، 2008-2009.
- باشا، أرزقي. القبائل: لغز وتاريخ (Arezki Pacha, Kabylie: Enigme et Histoire)، دار الأمل، تيزي وزو، 2006.
3. حول السلطان عبد العزيز والتحالفات العسكرية:
- بوجمعة، عبد الكريم. القلاع والحصون في الجزائر خلال العهد العثماني، دار الهدى، الجزائر، 2009.
- عباس، ناصر الدين. تاريخ الجزائر في العهد العثماني، دار المعرفة، الجزائر، 2007.
4. حول الأمير أحمد أمقران ونظام الإشارة:
- بلفوضيل، محمد. تاريخ منطقة القبائل الكبرى، دار القصبة للنشر، الجزائر، 2010.
- قنز، أحسن. زاوية شلاطة ودورها الثقافي والاجتماعي، دار التنوير، الجزائر، 2012.
الديمقراطية المحلية" (نظام ثاجماعت)
.jpg)
