ڤاسي جيلالي
مع اقتراب فصل الصيف، يبدأ سيناريو يتكرر كل عام في موانئنا ومطاراتنا؛ بطلُه شخص قضى عامه في المهجر يحصي "السنتيمات" ويعيش حياة التقشف، ليأتي في عطلته ويتقمص دور الملياردير الناجح، لكن هذه الظاهرة ليست مجرد تباهٍ اجتماعي عابر، بل هي مأساة أخلاقية تتسبب في كوارث إنسانية، أعمقها دفع الشباب لرمي أنفسهم في المجهول.
تبدأ القصة هناك في الغربة، حيث يتم ادخار كل قرش ليس لتحسين المستوى المعيشي أو الاستثمار الحقيقي، بل لشراء "عدّة العرض"، سيارة مستعملة، ملابس تحمل علامات تجارية شهيرة، وسلاسل تلمع لتجذب الأنظار، الهدف ليس الجودة، بل إبهار العيون التي لم تغادر حدود الوطن، ورسم صورة لشخص "تفرنس" وأصبح جزءاً من عالم مخملي، بينما الواقع هو غرفة ضيقة وديون متراكمة ووظائف شاقة لا يجرؤ على ذكرها.
إن أخطر ما في هذا السلوك هو الضحايا الذين يترصدهم هذا "المغترب المزيف"، حين يجلس هذا الشخص في المقهى ويبدأ في سرد بطولات وهمية عن وظيفته المرموقة ومنزله الفاخر، فإنه يمارس تضليلاً متعمداً.
هو لا يتحدث أبداً عن ذلّ الحاجة أو قسوة العنصرية والوحدة، العمل لساعات طوال في ظروف مهينة لتوفير ثمن "تلك الساعة" التي يلبسها، او حتى على قوانين الصارمة وصعوبة العيش الكريم التي أصبحت واقع أوروبا اليوم.
هنا تكمن الجريمة الحقيقية؛ فعندما يرى الشاب البسيط ذلك "النجاح السريع"، يشتعل في قلبه الطمع وتضيق في عينه بلاده، يظن أن الطريق إلى أوروبا مفروش بالذهب، فيبدأ في التفكير في "الحرقة" (الهجرة غير الشرعية).
هذا المغترب المزيف، بكذبه واستعراضه، يصبح المحرك الخفي لقوارب الموت، هو يسرق من الشباب رضاهم وقناعتهم، ويزرع بدلاً منها حسرةً تدفعهم لبيع ممتلكاتهم والمخاطرة بحياتهم في عرض البحر، بحثاً عن جنة موهومة رسمها لهم "كاذب صيفي" عابر.
منتهى القسوة أن تستعرض "عضلاتك المالية" الوهمية أمام إنسان يكافح لتوفير ثمن فنجان قهوة، يا من تحضر حقائبك وكذباتك لهذا الصيف، اعلم أن كذبك قد يكون السبب في أمّ تبكي ابنها المفقود في أعماق المحيط، القيمة الحقيقية للإنسان في صدقه وتواضعه، لا في نوع سيارته أو ثمن حذائه.
إن العودة إلى الوطن يجب أن تكون عودة للدفء والصدق، لا لكسر الخواطر واستعراض ما لا نملك، العيش بكرامة وبساطة في الغربة والصدق مع النفس خير من ألف ساعة من التباهي الكاذب على شواطئ الوطن.
ارحموا عقول الشباب، ولا تجعلوا من صيفكم موسماً لبيع الأوهام وتحطيم القلوب، فمن يزرع السراب يحصد الأرواح
.jpg)
