بقلم: [شرفة ميديا/القسم الثقافي]
في تاريخ الثورات العظمى، تبرز أسماء تخطت حدود الزمن لتبقى منارات للأجيال؛ ومن بين هذه الأسماء الساطعة في سماء الجزائر، تبرز الشهيدة مليكة ڤايد (1933-1957)، هي ليست مجرد ممرضة داوت جراح المجاهدين، بل هي الثائرة التي جمعت بين رقة الإنسانية وصلابة المحارب، لتكتب بدمائها فصلاً من فصول الحرية وهي في مقتبل العمر.
من "بلكور" إلى قمم أمشدالة
ولدت مليكة في حي بلكور العتيق بالعاصمة عام 1933، ونشأت في كنف عائلة وطنية غرس فيها والدها "محند أمقران" حب الأرض، انتقلت العائلة لاحقاً إلى برج بوعريريج، وهناك بدأت ملامح شخصيتها القيادية تتشكل، لم تكن مليكة تكتفي بمقاعد الدراسة، بل كانت ترى في تفوقها العلمي وسيلة لخدمة قضية أكبر.
في عام 1953، نالت شهادة الدولة في التمريض من مدرسة سطيف، وهو تخصص كان يعد نادراً للمرأة الجزائرية آنذاك، لكن النداء الحقيقي لم يأتِ من أروقة المستشفيات، بل جاء من الجبال؛ ففي جوان 1955، تلقت نداءً من العقيد عميروش للالتحاق بصفوف جيش التحرير الوطني، لتكون من أوائل الملبيات للواجب.
المرأة التي هزت أركان "إيفري"
سجل التاريخ لمليكة ڤايد موقفاً استثنائياً؛ فقد كانت المرأة الوحيدة التي حضرت فعاليات مؤتمر الصومام التاريخي في 20 أوت 1956 بقرية إيفري ببجاية، حضورها لم يكن مجرد تمثيل نسوي، بل كان تجسيداً لدور المرأة كشريك كامل في اتخاذ القرارات المصيرية للثورة، هناك، أثبتت مليكة أن "الجزائر الجديدة" تُبنى بسواعد رجالها ونسائها معاً.
بين المشرط والزناد
داخل الولاية الثالثة التاريخية، تحولت مليكة إلى أسطورة حية، كانت تتنقل بين المخابئ والمغارات، تحمل حقيبتها الطبية لتخيط جراح المجاهدين، وتحمل سلاحها لتذود عنهم، لم تكن تخشى الموت، بل كانت تخشى أن تُؤخذ الجزائر غدراً، أشرفت على تدريب العشرات من النساء على الإسعافات الأولية، محولةً القرى إلى مستشفيات ميدانية صغيرة تدعم جبهات القتال.
الرحيل في عزّ الشباب
في صبيحة 27 جوان 1957، وببلدية مشدالة، واجهت مليكة قدرها الأخير، حاصر الجيش الاستعماري المكان الذي كانت تتواجد فيه رفقة مجموعة من المجاهدين، رفضت مليكة الاستسلام، واختارت أن تواجه الرصاص بالرصاص، سقطت الشهيدة وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، صامدة والسلاح في يدها، لترتقي إلى بارئها تاركةً وراءها رسالة صامتة لكنها مدوية: "أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع".
أمانة الشهداء
رحلت مليكة ڤايد بجسدها، لكنها بقيت حية في كل مدرسة ومستشفى وشارع يحمل اسمها اليوم، تظل قصتها تذكيراً دائماً بأن المرأة الجزائرية كانت، ولا تزال، العمود الفقري لهذا الوطن، رحم الله الشهيدة مليكة ڤايد، وكل من ضحى لتبقى الجزائر حرة أبية.
.jpg)
