بقلم: [ڤاسي جيلالي] -سياسة
تشهد الخريطة السياسية في منطقة القبائل تحولاً جذرياً لم يسبق له مثيل منذ عقود؛ فبعد سنوات من الهيمنة المطلقة لحزبي جبهة القوى الاشتراكية (FFS) والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (RCD) على المجالس المحلية، يبدو أن "قواعد اللعبة" قد تغيرت تماماً في مرحلة ما بعد حراك 2019.
لم تعد شعارات الهوية والنضال التاريخي تكفي لإقناع جيل جديد من الشباب يتسم بالواقعية والبحث عن الحلول التقنية، ففي الفضاء الرقمي، نجد هجوماً حاداً واتهامات متكررة للحزبين الغريمين بالتقصير، بل والتحول إلى "دكاكين سياسية" انشغلت بالصراعات الداخلية عن هموم المواطن، هذا "الشرخ في الثقة" فتح الباب واسعاً أمام خيارات كانت تعتبر في الماضي "طابوهات" سياسية في المنطقة.
نموذج "الشرفة": الزحف الجمعوي نحو قسيمة الأفلان
تعتبر منطقة "الشرفة" نموذجاً حياً لهذا التحول؛ حيث برزت في الآونة الأخيرة وجوه شبابية لم تأتِ من "العدم السياسي"، بل صُقلت في مدرسة العمل الميداني، هؤلاء الشباب الذين قرروا إحياء "قسيمة الأفلان" (FLN) بالشرفة، هم أنفسهم المحركون الأساسيون للنسيج الجمعوي في المنطقة:
الرياضيون: الذين يقودون ويملكون قاعدة جماهيرية عريضة.
المثقفون والسياحيون: الذين يروجون لمقومات المنطقة ويحاولون خلق حركية اقتصادية بديلة.
"جمعية الجوال": التي تمثل مدرسة في الانضباط والعمل الجواري المباشر مع مختلف فئات المجتمع.
إن انتقال هؤلاء الشباب من "الفعل التطوعي" إلى "الفعل الحزبي" يمثل رسالة واضحة: "لقد نجحنا في تسيير جمعياتنا وإحداث حركية في الشارع، والآن نريد استرجاع المجالس المحلية لخدمة التنمية".
تحدي "التصفيث": هل يكسر الشباب قيود التقليد؟
رغم هذا الزخم، يصطدم الطموح الشبابي بعائق اجتماعي متجذر يُعرف محلياً بـ "التصفيث" (Tasfith)، هذا المصطلح الأمازيغي الذي يعكس الانقسامات العائلية والعرشية، لا يزال يلعب دوراً محورياً في توجيه أصوات "الكبار" والعائلات.
فبينما يرى الشباب في هؤلاء المترشحين فرصة للتغيير، يبقى التحدي الأكبر هو مدى قدرة هؤلاء الشباب (رغم اختلاف ألوان جمعياتهم) على تجاوز "حساسيات التصفيث" وإقناع العائلات الكبرى بأن مصلحة الشرفة التنموية فوق كل اعتبار عائلي أو حزبي قديم.
استحقاقات 2026: الاختبار الحقيقي
مع اقتراب المواعيد الانتخابية، تبقى التساؤلات مطروحة: هل سينجح "تحالف الجمعيات" تحت لواء الأفلان في تحويل شعبيتهم الميدانية إلى أصوات في الصندوق؟ وهل سيقبل المواطن بـ "تطبيع" العلاقة مع أحزاب السلطة مقابل وعود التنمية؟
الحقيقة المؤكدة هي أن منطقة القبائل لم تعد ذلك الخزان المغلق للمعارضة التقليدية، إننا أمام مرحلة "سيولة سياسية" قد تعيد رسم معالم المنطقة بوجوه شابة، طموحة، تسعى لاستبدال "الخطاب الراديكالي" بـ "النتائج الملموسة".
.jpg)
