ڤاسي جيلالي
تشهد كندا منذ 2024 أزمة غير مسبوقة في قطاع التعليم العالي، بعدما بدأت بعض الكليات والجامعات تعلن عن عجز مالي خطير، إلغاء برامج، تسريح موظفين، بل وحتى إغلاق أبوابها نهائيًا, السبب الرئيسي يعود إلى التراجع الحاد في أعداد الطلبة الأجانب، الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للتمويل في عدد كبير من المؤسسات.
نموذج تمويل التعليم العالي في كندا يقوم على معادلة غير متوازنة: الطالب المحلي يدفع رسومًا منخفضة نسبيًا بفضل الدعم الحكومي الإقليمي، ففي مقاطعة Ontario مثلًا قد تتراوح الرسوم في بعض البرامج بين 1,500 و2,000 دولار كندي للفصل الدراسي، بينما يدفع الطالب الأجنبي ما بين 10,000 و15,000 دولار أو أكثر للفصل نفسه, هذا الفارق الكبير جعل العديد من الكليات تعتمد بشكل مكثف على الطلبة الدوليين لتعويض نقص التمويل العمومي، خاصة في المقاطعات التي لم ترفع دعمها للمؤسسات منذ سنوات رغم ارتفاع تكاليف التشغيل.
لكن في 2024 قررت الحكومة الفيدرالية بقيادة Justin Trudeau فرض سقف على تصاريح الدراسة للحد من الضغط على سوق السكن والخدمات العامة, هذا القرار أدى إلى انخفاض واضح في عدد الطلبة الجدد، ما انعكس مباشرة على مداخيل الكليات والجامعات التي كانت تبني ميزانياتها على تدفق مستمر من الطلبة الأجانب.
النتائج ظهرت سريعًا, في أونتاريو، أعلنت مؤسسات مثل Algonquin College وSheridan College عن تقليص برامج وتسريح موظفين بسبب العجز المالي, كما قامت Seneca Polytechnic بإغلاق أحد فروعها بعد تراجع التسجيلات الدولية, أما Centennial College فقد علّقت عشرات البرامج الدراسية لتقليل النفقات.
الأزمة لم تقتصر على أونتاريو فقط, في مانيتوبا، واجهت Manitoba Institute of Trades and Technology صدمة مالية كبيرة بعد انخفاض عائدات الطلبة الدوليين بأكثر من النصف، ما أدى إلى إغلاقها بالكامل، لتكون من أوائل المؤسسات العامة التي تسقط بسبب هذا التحول المفاجئ في السياسات, وفي ألبرتا، ألغت Olds College عدة برامج بسبب توقع خسائر بملايين الدولارات.
حتى بعض الجامعات الكبرى شعرت بالضغط, تجربة Laurentian University التي دخلت سابقًا في إجراءات حماية من الإفلاس وإعادة هيكلة، كانت إنذارًا مبكرًا لما يمكن أن يحدث عندما تتراكم الديون ويختل التوازن المالي.
تشخيص الوضعية يكشف ثلاثة أسباب رئيسية مترابطة: أولاً، تجميد أو ضعف الزيادة في التمويل الحكومي الإقليمي رغم تضخم التكاليف؛ ثانيًا، الاعتماد المفرط على الرسوم المرتفعة للطلبة الأجانب كمصدر دخل أساسي؛ وثالثًا، التغير المفاجئ في السياسة الفيدرالية الذي قلّص عدد تصاريح الدراسة بشكل حاد، ما كشف هشاشة النموذج المالي القائم.
الأزمة الحالية لا تعني أن كل الجامعات الكندية مهددة بالإغلاق، فالمؤسسات البحثية الكبرى ذات السمعة الدولية ما تزال أكثر استقرارًا, لكن الكليات الإقليمية والمؤسسات التي بنت توسعها على الطلبة الدوليين تواجه مرحلة إعادة هيكلة قاسية, ما يحدث اليوم هو إعادة توازن مؤلمة لنظام اعتمد لسنوات على تدفق خارجي لتعويض نقص داخلي في التمويل.
المستقبل سيعتمد على قدرة الحكومات الإقليمية والفيدرالية على مراجعة نموذج التمويل، إما عبر زيادة الدعم العمومي، أو عبر إيجاد مصادر دخل بديلة، أو عبر تنظيم أكثر تدرجًا لسياسات الهجرة التعليمية, بدون إصلاحات هيكلية، قد نشهد موجة إضافية من تقليص البرامج واندماج المؤسسات، وربما إغلاقات أخرى في السنوات القادمة.
.jpg)
