شرفة ميديا
تداولت منصات الإعلام والتواصل الاجتماعي مشاهد من منتدى دافوس تعكس برودة واضحة في التعامل الأوروبي مع دونالد ترامب، وهي برودة فتحت باب التأويل السياسي أكثر مما قدّمت معطى بروتوكوليًا بسيطًا، فغياب أي استقبال أوروبي لافت لترامب لم يُقرأ كحادث عابر، بل كعلامة على عمق التصدعات التي باتت تطبع العلاقة بين ضفتي الأطلسي منذ سنوات، خاصة في ظل شخصية سياسية مثيرة للجدل لا تؤمن كثيرًا بثوابت التحالف التقليدي.
ترامب، منذ ظهوره على الساحة الدولية، تعامل مع أوروبا من منطق الصفقات لا الشراكات، ومن زاوية “ماذا تدفعون؟” لا “ماذا نمثل معًا؟”، هذا المنطق، الذي قد يلقى قبولًا لدى جزء من الداخل الأمريكي، شكّل مصدر إزعاج حقيقي للعواصم الأوروبية التي اعتادت على خطاب أمريكي أكثر نعومة، حتى وإن كان يحمل في عمقه حسابات الهيمنة نفسها، ومع كل تصريح يشكك في جدوى حلف الناتو أو يلوّح بالانسحاب منه أو تحميل أوروبا كلفة “حمايتها”، كانت الهوة تتسع بين الطرفين.
الولايات المتحدة، في خطابها الرسمي، ما تزال تؤكد تمسكها بحلف الناتو، لكنها في الوقت نفسه تستخدمه كورقة ضغط سياسية ومالية. أما أوروبا، فبدأت تشعر بأن الحليف الأمريكي لم يعد شريكًا يمكن الركون إليه، بل طرفًا متقلب المزاج، يغيّر مواقفه بتغيّر ساكن البيت الأبيض، هذا الشعور هو ما يفسر تصاعد الحديث الأوروبي عن “الاستقلالية الاستراتيجية” وعن ضرورة بناء قدرات دفاعية واقتصادية تقلل من الارتهان لواشنطن.
في هذا السياق، يبدو أن تصرف الأوروبيين تجاه ترامب في دافوس يحمل رسالة صامتة: أوروبا لم تعد متحمسة لشخصية ترى في التحالفات عبئًا وفي الشركاء مجرد أرقام في ميزان الربح والخسارة، فالمنتدى، الذي يفترض أنه فضاء للتقارب وبناء الجسور، تحول إلى مرآة تعكس حجم الفتور، بل وربما الضجر الأوروبي من سياسات تُدار بمنطق الصدام لا الاستمرارية.
الأمر لا يتعلق بترامب كشخص فقط، بل بما يمثله من نهج سياسي قائم على الانكفاء القومي، والضغط العلني على الحلفاء، وكسر الأعراف الدبلوماسية، أوروبا، التي تعيش أصلًا أزمات داخلية اقتصادية وسياسية، لم تعد راغبة في إضافة توتر أمريكي إلى قائمة أعبائها، لذلك بات كل طرف منشغلًا بترتيب بيته الداخلي، ولو على حساب الخطاب التقليدي عن “العالم الغربي الموحّد”.
ما جرى في دافوس يعكس مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، مرحلة تتراجع فيها المجاملات، وتطفو فيها الخلافات إلى السطح دون مواربة، صراعات مصالح، وتباعد في الرؤى، وتحالفات يعاد تعريفها. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، يبدو أن القوى الكبرى، وهي تناور وتخطط، قد تقع في فخ صراعاتها الذاتية، فيصدق القول: ربنا يشغلهم بأنفسهم، ويجعل تدبيرهم سبب تدميرهم.
.jpg)