شرفة ميديا
في السنوات الأخيرة، بدأت ملامح تحوّل عميق تظهر في قطاع الصناعة الدوائية في الجزائر، تحوّل لم يعد يقتصر على الخطاب الرسمي أو التغطية المحلية، بل صار موضوعًا تتناوله وسائل الإعلام الفرنسية والفرنكوفونية في سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل موازين الإنتاج الصحي في إفريقيا ومنطقة المتوسط, فالجزائر التي كانت إلى وقت قريب تُقدَّم في الإعلام الغربي كدولة مستورِدة تعتمد بشكل كبير على الخارج لتأمين أدويتها، أصبحت اليوم نموذجًا يُناقش باعتباره حالة صعود في مجال الإنتاج الدقيق، خاصة في الصناعات الصيدلانية واللقاحات.
هذا التقدم لم يأتِ من فراغ، بل هو نتيجة خيارات استراتيجية اتخذتها الدولة الجزائرية منذ سنوات، خصوصًا بعد الصدمات التي كشفتها جائحة كوفيد-19، حين أدركت كثير من الدول هشاشة الاعتماد الكلي على الأسواق الخارجية,الجزائر سارعت إلى الاستثمار في مصانع الأدوية، وتشجيع الإنتاج المحلي، وتطوير الشراكات التكنولوجية، ما مكّنها من تغطية نسبة كبيرة من حاجياتها الوطنية من الأدوية، مع تسجيل تطور ملحوظ في إنتاج الأدوية الأساسية، أدوية الأمراض المزمنة، والحقن، وصولًا إلى إنتاج اللقاحات محليًا.
الإعلام الفرنسي، الذي يتابع عن كثب التحولات الاقتصادية والصناعية في شمال إفريقيا، بدأ يتناول هذا المسار الجزائري بنبرة مختلفة عمّا اعتاده المتلقي سابقًا, فبدل التركيز الحصري على ملفات سياسية أو تاريخية، ظهرت مقالات وتقارير تتحدث عن “السيادة الدوائية” في إفريقيا، وتضع الجزائر ضمن الدول التي قطعت أشواطًا معتبرة في هذا المجال.
بعض التحليلات الفرنسية ترى أن ما تقوم به الجزائر ينسجم مع التوجه العالمي لما بعد الجائحة، حيث أصبح توطين الصناعات الصحية أولوية استراتيجية، ليس فقط للدول الكبرى، بل حتى للدول النامية الساعية إلى تقليص تبعيتها للأسواق الدولية.
كما أن إنتاج الجزائر للقاحات، ولو في إطار شراكات تكنولوجية، شكّل نقطة لافتة في التغطيات الإعلامية الفرنسية، خاصة عند الحديث عن ضعف القارة الإفريقية في هذا المجال واعتمادها شبه الكلي على الاستيراد, في هذا السياق، تُقدَّم الجزائر كإحدى الدول القليلة في إفريقيا التي انتقلت من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن الاستيراد إلى بناء قدرات محلية، مع طموح واضح للتصدير مستقبلًا نحو الأسواق الإفريقية.
اللافت أن هذا الخطاب الإعلامي الفرنسي لا يخلو من قراءة جيوسياسية أعمق، إذ إن صعود الجزائر في مجال الإنتاج الدوائي يُنظر إليه أيضًا كعنصر قوة جديد يعزز استقلال قرارها الاقتصادي والصحي، ويمنحها هامشًا أوسع للحركة إقليميًا وقاريًا, فالصناعة الدوائية لم تعد مجرد قطاع اقتصادي، بل أصبحت أداة سيادة ونفوذ، وهو ما تدركه وسائل الإعلام الغربية جيدًا عند تحليلها لمستقبل العلاقات بين الشمال والجنوب.
في المحصلة، فإن ما تحققه الجزائر اليوم في مجال الإنتاج الدقيق والصناعة الصيدلانية لم يعد إنجازًا محليًا صامتًا، بل تحول إلى موضوع نقاش في الإعلام الفرنسي، يُدرج ضمن تحولات أعمق تشهدها إفريقيا في سعيها نحو امتلاك أدواتها الصحية والاستراتيجية, وبينما لا تزال التحديات قائمة، فإن التجربة الجزائرية تُقدَّم بشكل متزايد كنموذج على أن الرهان على الإنتاج المحلي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل ضرورة تفرضها تحولات العالم وأزماته المتلاحقة.
.jpg)