في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد النقاشات الهوياتية في الجزائر والمغرب الكبير، ظهر خطاب يروّج لفكرة مفادها أن شخصية أوروبية تُدعى “جاك بينيط” هي من “صنعت” الأمازيغية و”علّمت” الأمازيغ هويتهم و ايضا صنع راية الهوية الامازيغية، في إطار مشروع استعماري فرنسي.
هذا الادعاء، رغم تداوله الواسع في وسائل التواصل الاجتماعي، لا يصمد أمام أي فحص تاريخي أو أكاديمي جاد.
تهدف هذه المقالة إلى تفكيك هذه الأسطورة، بالاعتماد على منهج علمي وأدلة تاريخية ولسانية قاطعة، بعيدًا عن التوظيف السياسي والانفعال الإيديولوجي.
أولًا: من هو “جاك بينيط”؟ اسم بلا سند علمي
البحث في الأرشيف الأكاديمي، والمراجع الجامعية المتخصصة في:
• تاريخ شمال إفريقيا
• اللسانيات الأمازيغية
• الأنثروبولوجيا الاستعمارية
لا يُظهر وجود شخصية مرجعية موثوقة تُدعى Jacques Benît / Benet / Benign يُنسب إليها “اختراع” الأمازيغية أو “تشكيل” هوية الأمازيغ ولا رايتهم الهويتية.
لا كتاب معروف، لا دراسة أكاديمية، ولا وثيقة أرشيفية تثبت هذا الدور المزعوم.
وعليه، فإن “جاك بينيط” يظهر كـاسم خطابي متداول أكثر من كونه شخصية علمية مثبتة.
ثانيًا: الأمازيغية قبل فرنسا… وقبل أوروبا الحديثة
الأدلة التاريخية تنسف فكرة “الاختراع الحديث” من جذورها:
• الإغريق والرومان وثّقوا وجود سكان شمال إفريقيا (الليبيون، النوميديون، المور
• ممالك أمازيغية موثقة تاريخيًا (نوميديا، موريتانيا.
• النقوش الليبية القديمة، التي تطور عنها خط تيفيناغ، تعود إلى قرون قبل الميلاد.
• أسماء ملوك وقادة أمازيغ مثل ماسينيسا ويوغرطة حاضرة في المصادر الكلاسيكية.
هذه المعطيات تسبق الاستعمار الفرنسي بأكثر من ألفي سنة.
ثالثًا: الأمازيغية في علم اللسانيات
من الناحية العلمية البحتة:
• الأمازيغية تنتمي إلى العائلة الأفروآسيوية، إلى جانب العربية، العبرية، والمصرية القديمة.
• تشترك معها في بنى صرفية وصوتية عميقة، لا يمكن اصطناعها أو “اختراعها” بقرار سياسي.
اللغات لا تُخلق فجأة، بل تتطور عبر تراكم تاريخي طويل.
رابعًا: مغالطة التقعيد لا يساوي الاختراع
الخلط الشائع في هذا النقاش هو الخلط بين:
• تقعيد اللغة (وضع قواعد مكتوبة حديثًا كل لغات العالم خضعت للتقعيد:
• العربية قُعّدت في العصر العباسي
• الفرنسية قُعّدت في القرن السابع عشر
• الأمازيغية قُعّدت في العصر الحديث
التقعيد لا يعني الخلق من العدم، بل تنظيم لغة موجودة ومتداولة.
خامسًا: الاستعمار بين الدراسة والتوظيف
لا يمكن إنكار أن الاستعمار الفرنسي:
• درس المجتمعات المحلية
• صنّف اللغات والثقافات
• واستغل بعض الفوارق ضمن سياسة “فرّق تسد”
لكن الدراسة لا تعني الاختراع والتوظيف السياسي لا يلغي الجذور التاريخية فالاستعمار لم يخلق الأمازيغ، كما لم يخلق العرب أو الإسلام في المنطقة.
سادسًا: لماذا يُستعمل اسم “جاك بينيط”؟
يُستعمل هذا الاسم في الخطاب السجالي لعدة أسباب:
1. اختزال تاريخ معقّد في “شخص واحد”
2. ربط الأمازيغية بالاستعمار لتشويه مشروعيتها
3. الهروب من النقاش العلمي نحو الاتهام السهل
وهذه آلية خطابية معروفة في الصراعات الهوياتية.
إن الادعاء بأن مستشرقًا أوروبيًا “صنع” الأمازيغية أو علّم الأمازيغ هويتهم لا يستند إلى:
• وثيقة
• ولا مرجع
• ولا منهج علمي
الأمازيغية مكوّن أصيل من ذاكرة المغرب الكبير، تتقاطع تاريخيًا مع العربية والإسلام في بناء هوية مشتركة، لا في تفكيكها.
الهوية لا تُخترع في المكاتب الاستعمارية،
بل تُكتب في ذاكرة الشعوب، وتثبتها النقوش والتاريخ، لا الأسماء المتداولة في السجال.
______________________________________
و في الاخير تم صياغة هذا المقال اعتمادا على المراجع الاتية:
مراجع في اللسانيات الأمازيغية
1. André Basset
La langue berbère
Oxford University Press, 1952.
مرجع كلاسيكي يثبت البنية التاريخية واللسانية للأمازيغية
.
2. Salem Chaker
Berbères aujourd’hui
L’Harmattan, 1998.
يوضح تطور الأمازيغية تاريخيًا وحديثًا دون أطروحات اختلاقية.
3. Maarten Kossmann
The Arabic Influence on Northern Berber
Brill, 2013.
يبرهن التفاعل اللغوي التاريخي، لا النشأة المصطنعة.
________________________________________
مراجع تاريخية عن الأمازيغ
4. Gabriel Camps
Les Berbères : mémoire et identité
Actes Sud, 2007.
مرجع أساسي يؤكد الجذور العميقة للأمازيغ في شمال إفريقيا.
5. Gabriel Camps
Encyclopédie berbère
CNRS, Paris.
موسوعة علمية معتمدة دوليًا.
6. Charles-André Julien
Histoire de l’Afrique du Nord
Payot, 1961.
يؤكد الوجود الأمازيغي قبل الفتح الإسلامي والاستعمار الأوروبي.
مراجع حول الاستعمار والهوي
7. Jacques Berque
Langages arabes du Maghreb
Sindbad, 1978.
يشرح التفاعل اللغوي دون إنكار الجذور التاريخية.
8. Pierre Bourdieu
Langage et pouvoir symbolique
Seuil, 2001.
إطار نظري لفهم توظيف اللغة سياسيًا دون اختراعها.
.jpg)
