تتناول
هذه الدراسة مملكة آث عباس (المعروفة تاريخيًا بمملكة بني عباس) باعتبارها
كيانًا سياسيًا أمازيغيًا نشأ في القرن السادس عشر في جبال القبائل، وتبحث
في طبيعة تنظيمه السياسي والاجتماعي، مع التركيز على دور القبائل داخله،
ومنها قبيلة آث براهيم. وتهدف الدراسة إلى التمييز المنهجي بين مفهوم
“المملكة” كمؤسسة سياسية، و“القبيلة” كوحدة اجتماعية، مع تفنيد الخلط
الشائع بين المفهومين في بعض الكتابات المعاصرة.
أولًا: الإطار التاريخي لمملكة آث عباس (بني عباس)
1. النشأة والسياق التاريخي
ظهرت
مملكة آث عباس في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، في سياق انهيار السلطة
الحفصية بشرق الجزائر، وتزايد التدخلين العثماني والإسباني في المنطقة. وقد
مكّن الفراغ السياسي والخصوصية الجغرافية الجبلية سكان جبال البيبان من
تأسيس كيان سياسي محلي مستقل نسبيًا، اتخذ من قلعة بني عباس مركزًا للحكم¹.
تشير
المصادر التاريخية إلى أن مؤسس هذا الكيان هو سيدي عبد الرحمن، الذي
استطاع توحيد عدد من القبائل تحت سلطة مركزية محدودة، قائمة على التحالف
والاعتراف المتبادل أكثر من الإخضاع القسري².
2. المجال الجغرافي والأهمية الاستراتيجية
امتد نفوذ مملكة بني عباس في منطقة جبلية وعرة، بين بجاية وسطيف وبرج بوعريريج. وقد شكّل هذا الموقع:
عامل حماية طبيعي ضد الجيوش النظامية،
وسيلة للتحكم في المسالك التجارية،
عنصرًا حاسمًا في استمرار الاستقلال السياسي للمملكة لعدة قرون³.
3. نظام الحكم والتنظيم السياسي
اعتمدت المملكة نظامًا وراثيًا داخل أسرة حاكمة (آث عباس)، غير أن سلطتها لم تكن مطلقة، بل كانت مشروطة بقبول القبائل وتحالفها.
وقد تميّز الحكم بما يلي:
غياب الدولة المركزية البيروقراطية،
استمرار المجالس القبلية (ثاجماعث)،
احترام القوانين العرفية (إزرفان).
ويصف الباحثون هذا النموذج بأنه حكم محلي أمازيغي توافقي، يختلف عن أنماط الدول السلطانية الكلاسيكية⁴.
4. العلاقات الخارجية
أقامت مملكة بني عباس علاقات متقلبة مع:
الدولة العثمانية (تحالف وصدام)، الإسبان على الساحل، مملكة كوكو المجاورة.
ورغم هذه الضغوط، حافظت على استقلال فعلي حتى القرن التاسع عشر⁵.
5. نهاية الكيان السياسي
مع
الاحتلال الفرنسي سنة 1830، دخلت المملكة مرحلة ضعف تدريجي، وانتهى وجودها
السياسي الرسمي منتصف القرن التاسع عشر، غير أن إرثها استمر عبر عائلة
المقراني، التي قادت لاحقًا ثورة 1871⁶.
ثانيًا: آث براهيم – القبيلة داخل المجال السياسي
1. التعريف المنهجي
آث
براهيم ليست مملكة ولا كيانًا سياسيًا مستقلاً، بل قبيلة أمازيغية
قبائلية، تنتمي إلى البنية الاجتماعية للقبائل الكبرى، وكانت جزءًا من
المجال الجغرافي والسياسي لمملكة بني عباس.
ويؤكد الباحثون في الأنثروبولوجيا الاجتماعية أن استعمال لفظ “آث” يدل على انتماء نسَبي-قبلي، لا على دولة أو سلطة سيادية⁷.
2. التنظيم الاجتماعي
اعتمدت قبيلة آث براهيم، كغيرها من قبائل المنطقة، على:
مجلس القرية (ثاجماعث)،
القوانين العرفية (إزرفان)،
التضامن الجماعي.
وهو نموذج يصفه هيو روبرتس بـ “الحكم بلا دولة”، حيث تُدار الشؤون العامة دون جهاز سلطوي مركزي⁸.
3. الدور السياسي داخل مملكة بني عباس
ساهمت آث براهيم في:
الدفاع عن المجال الجبلي،
دعم السلطة المركزية عند الحاجة،
الحفاظ على التوازن الداخلي.
لكنها لم تكن خاضعة خضوعًا إداريًا صارمًا، بل شريكًا ضمن تحالف قبلي أوسع.
4. تفنيد الخلط المفاهيمي
لا يوجد في أي مصدر أكاديمي معتبر توصيف لآث براهيم كمملكة.
ويُعد هذا الخلط:
إسقاطًا معاصرًا، أو توظيفًا هوياتيًا غير علمي،
يتعارض مع الأدبيات التاريخية والأنثروبولوجية⁹.
تُبرز
هذه الدراسة أن مملكة آث عباس كانت كيانًا سياسيًا أمازيغيًا حقيقيًا، نشأ
في سياق تاريخي محدد، واعتمد على تحالف القبائل لا على إخضاعها.
أما آث براهيم، فهي قبيلة لعبت دورًا اجتماعيًا وسياسيًا مهمًا داخل هذا الكيان، دون أن تشكّل دولة أو مملكة مستقلة.
ويؤكد ذلك أن فهم تاريخ القبائل الكبرى يقتضي التمييز الصارم بين:
الكيان السياسي
والبنية القبلية الاجتماعية.
المراجع الأكاديمية المعتمدة
Charles-André Julien، Histoire de l’Algérie contemporaine، PUF، باريس.
Ernest Mercier، Histoire de l’Afrique septentrionale، قسنطينة.
Abderrahmane El Djouadi، Les royaumes berbères de Kabylie، الجزائر.
Gabriel Camps، Encyclopédie berbère، CNRS.
R. Devoulx، Les édifices religieux de l’ancienne Algérie.
Mahfoud Kaddache، L’Algérie des Algériens، SNED.
Camille Lacoste-Dujardin، La société berbère، La Découverte.
Hugh Roberts، Berber Government، I.B. Tauris.
Pierre Bourdieu، Sociologie de l’Algérie، PUF.
.jpg)
