بقلم: ڨاسي جيلالي
في الجزائر كما في باقي بلدان المنطقة المغاربية، لم يعد الإعلام مجرّد ناقلٍ للأحداث، بل أصبح أحد أهم الفاعلين في تشكيل الوعي العام وتوجيه النقاشات السياسية والاجتماعية, وفي ظل التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة، يطفو على السطح بقوة سؤال الإعلام الموجّه: متى يكون ضرورة وطنية، ومتى يتحوّل إلى خطر يهدد وعي المواطن؟
عرفت المنطقة المغاربية تاريخيًا علاقة معقّدة بين الإعلام والسلطة، تعود جذورها إلى مرحلة التحرر الوطني وبناء الدولة، حيث استُخدم الإعلام آنذاك كأداة تعبئة وتوحيد الصفوف ,غير أن استمرار هذا المنطق في زمن التعددية الإعلامية والفضاء الرقمي المفتوح، دون مراجعة أو تحديث، جعل من التوجيه في كثير من الأحيان ممارسة متجاوزة لا تستجيب لتحولات المجتمع ولا لتطلعات الأجيال الجديدة.
في السياق الجزائري تحديدًا، يتجلّى الإشكال عندما يُقدَّم الخطاب الإعلامي بصيغة واحدة، تُقصي الأسئلة الحرجة، وتُبسّط القضايا المعقّدة، وتُصنِّف المواطن إمّا مع أو ضد، بدل إشراكه في فهم السياق وتحليل المعطيات ,هذا الأسلوب لا يحمي الاستقرار، بل يخلق فجوة متزايدة بين الإعلام والجمهور، ويفتح المجال أمام الإشاعة والمنصات الخارجية لملء الفراغ.
كما أن الفضاء المغاربي، بحكم تشابك تاريخه وتداخُل قضاياه، يعيش تحت ضغط حروب سرديات حقيقية، حيث تتقاطع الروايات السياسية، وتُستعمل وسائل الإعلام أحيانًا لتأجيج الخلافات بدل تهدئتها, وفي مثل هذا المناخ، يصبح الإعلام الموجّه سلاحًا حساسًا, إمّا أن يُسهم في بناء وعي نقدي ومسؤول، أو يتحوّل إلى أداة استقطاب وتضليل.
من أبرز مظاهر الإعلام الموجّه الذي يحتقر عقل المواطن، التغطيات التي تكتفي بالشعارات عند معالجة قضايا اجتماعية حسّاسة، كالبطالة أو غلاء المعيشة أو السكن ,فبدل تقديم أرقام دقيقة، أو استضافة خبراء مستقلين، يُكتفى أحيانًا بخطاب مطمئن لا يجيب عن الأسئلة الحقيقية التي يطرحها المواطن يوميًا.
كما يظهر التوجيه السلبي في الانتقائية في ترتيب الأخبار، حيث تُهمَّش أحداث داخلية مهمّة، بينما تُضخَّم أخبار ثانوية أو خارجية لصرف الانتباه, هذا الأسلوب لا يمرّ دون أثر، بل يُنتج شعورًا عامًا بأن الإعلام لا يعكس الواقع المعاش، ما يدفع فئات واسعة للبحث عن المعلومة في منصات غير موثوقة.
وفي مواسم الأزمات أو الاحتجاجات الاجتماعية، يُلاحظ أحيانًا اختزال صوت الشارع في قراءة واحدة، تُصوِّر كل تعبير احتجاجي على أنه تهديد، دون محاولة فهم أسبابه أو سياقه, هنا لا يُخاطَب المواطن كشريك، بل كطرف يُخشى صوته، وهو ما يوسّع فجوة الثقة بدل ردمها ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن التوجيه الإعلامي قد يكون مشروعًا في حالات معيّنة، خاصة عند مواجهة حملات تضليل خارجية، أو في فترات الأزمات الوطنية التي تتطلّب خطابًا واضحًا يطمئن المواطن ويقدّم له المعلومة الدقيقة ,لكن هذه المشروعية تبقى مشروطة باحترام عقل المواطن، لا بتجاوزه أو الوصاية عليه.
الإعلام الذي يحترم المواطن في الجزائر والمنطقة المغاربية هو ذاك الذي يعترف بتنوّع المجتمع، ويعرض الوقائع بعمق، ويفتح المجال للنقاش، ويُميّز بوضوح بين الخبر والرأي, أمّا الإعلام الذي يحتقره، فيلجأ إلى التخويف، أو التبسيط المخلّ، أو صناعة عدو دائم، ظنًا منه أن ذلك يحمي الوحدة، بينما هو في الواقع يضعف الثقة ويقوّض المصداقية.
إن التحدّي الحقيقي اليوم لا يكمن في عدد القنوات أو المنصات، بل في نوعية الخطاب الإعلامي وقدرته على مواكبة مجتمع مغاربي أكثر وعيًا، وأكثر اتصالًا بالعالم، وأقل قابلية للتلقّي السلبي ,فمواطن اليوم لم يعد ينتظر ما يُقال له، بل يقارن، ويتحقق، ويُعيد تشكيل موقفه بنفسه.
في المحصلة، يبقى الإعلام في الجزائر وفي المنطقة المغاربية أمام اختبار أخلاقي حاسم, إمّا أن يكون شريكًا في بناء الوعي وحماية المجتمع، أو أن يتحوّل إلى عامل نفور وفقدان ثقة, وتبقى القاعدة الجامعة التي لا تتغيّر بتغيّر السياقات.
الإعلام الموجّه خطر حين يحتقر عقل المواطن، وضروري فقط حين يحترمه.
الإعلام الموجّه خطر حين يحتقر عقل المواطن، وضروري فقط حين يحترمه
By -
1/06/2026 10:24:00 م
0
.jpg)
