![]() |
| الشهيد صالحي محند واعمر |
يُعد الشهيد صالحي محند واعمر أحد الأسماء البارزة في سجل الثورة التحريرية المجيدة، حيث انخرط في النضال الوطني في سن مبكرة، وواصل كفاحه المسلح بكل شجاعة وإيمان إلى أن ارتقى شهيدًا سنة 1957، تاركًا وراءه مسيرة حافلة بالتضحيات والبطولات.
وُلد الشهيد صالحي محند أوعمر بتاريخ 2 جوان 1934 ببلدية الشرفة التابعة لدائرة مشدا الله في ولاية البويرة، وسط عائلة بسيطة. التحق بالمدرسة الابتدائية سنة 1941، حيث برز بذكائه ونباهته، وتمكن من نيل شهادة التعليم الابتدائي بعد ست سنوات، غير أن السياسة الاستعمارية حرمت التلاميذ الجزائريين من مواصلة تعليمهم، ما اضطره لمغادرة مقاعد الدراسة مبكرًا.
هذا الواقع دفعه إلى الالتحاق بعالم العمل لمساعدة أسرته، وبالتوازي مع ذلك بدأ في حضور اللقاءات السياسية سرًا، لتتبلور لديه قناعة راسخة بعدالة القضية الوطنية وضرورة النضال من أجل التحرر.
في سنة 1953، غادر الشهيد مسقط رأسه نحو فرنسا، حيث اشتغل بأحد المصانع الألمانية المختصة في الطلاء، دون أن ينفصل عن العمل النضالي، إذ انخرط في حزب الشعب الجزائري وساهم في توزيع جريدة الجزائر الحرة سرًا وسط الجالية الجزائرية, وبعد عودته إلى الوطن لفترة وجيزة، توجّه إلى الجزائر العاصمة في ظروف غامضة، قبل أن ينقطع خبره عن عائلته، ليظهر لاحقًا رفقة مجموعة من المجاهدين، معلنًا التحاقه الرسمي بصفوف جيش التحرير الوطني.
شارك الشهيد في عدة عمليات عسكرية نوعية ضد مواقع وثكنات الاحتلال، امتد نشاطها من شرق بجاية إلى أعالي البويرة. ومن أبرز هذه العمليات كمين تيزي نبلقيس بتاريخ 30 جوان 1955، الذي استهدف دورية للجيش الاستعماري على الطريق الوطني رقم 30، وأسفر عن مقتل عدد من الجنود الفرنسيين , وخلال العملية، أُصيب الشهيد على مستوى القدم، ليخضع بعدها لعلاج سري متنقل بين عدة مناطق، وسط تكتم كبير من السكان المحليين رغم حملات التمشيط الواسعة التي نفذتها القوات الاستعمارية.
عرف الشهيد بين رفاقه بذكائه الميداني، شجاعته وتواضعه، حيث رفض مرارًا تولي مناصب إدارية مفضلًا البقاء في الصفوف الأمامية. وفي ديسمبر 1955، عاد إلى القتال حاملاً الاسم الثوري "سي محند أكوضر"، وهو اللقب الذي أطلق عليه بسبب إصابته التي تركت أثرًا على مشيته , ومع استشهاد شقيقه بلقاسم، زادت عزيمته على مواصلة الكفاح، فتطوع لتنفيذ عمليات نوعية مكنته من الترقية إلى رتبة رقيب ثم ملازم، حيث قاد مجموعة تضم نحو 60 مجاهدًا.
في 11 مارس 1957، وخلال معركة آث هواري، حاصرت قوات الاحتلال المنطقة إثر وشاية، ليجد الشهيد ورفاقه أنفسهم في مواجهة غير متكافئة. وبفضل خطة عسكرية محكمة، تمكن من إنقاذ حياة 63 مجاهدًا وإلحاق خسائر كبيرة بالعدو، قبل أن يستشهد رفقة 11 مجاهدًا آخرين ,كما شهدت المعركة استشهاد عدد من المدنيين والمجاهدين، من بينهم إمام القرية وأفراد من عائلة آوالي، في واحدة من أعنف المواجهات التي عرفتها المنطقة.
تبقى سيرة الشهيد صالحي محند أوعمر شاهدًا حيًا على تضحيات جيل كامل آمن بالحرية والاستقلال، وواجه آلة الاستعمار بإرادة صلبة، ليكتب بدمه صفحة مشرقة من تاريخ الجزائر الحديث.
اقرأ أيضًا :
عليان حميمي: أحد وجوه الثورة الجزائرية ودوره في محاكمة شبكة جونسون
عبان رمضان ومؤتمر الصومام: بين التاريخ والوظيفة السياسية المعاصرة
معركة إيواقورن… حين واجهت جبال جرجرة آلة الإبادة
معركة سدي عمر الشريف (تيقراپين)....ملحمة الكمين والمواجهة في جبال الشرفة – الثامن جانفي 1958
.jpg)
