بقلم شرفة ميديا
تُعدّ معركة إيواقورن واحدة من أكثر محطات الثورة التحريرية دموية وتأثيرًا في جبال جرجرة، وتحديدًا في المنطقة الجبلية التابعة حاليًا لدائرة مشدالة بولاية البويرة، حيث شكّلت هذه الرقعة الوعرة، المحاطة بقرى سلوم وصحريج وتقربوست والشرفة ومشدالة، فضاءً استراتيجيًا لنشاط جيش التحرير الوطني وملاذًا طبيعيًا للمجاهدين بفضل تضاريسها القاسية ودعم سكانها اللامحدود للثورة.
في سياق تصاعد العمل المسلح خلال أواسط الخمسينيات، تحوّلت إيواقورن إلى نقطة ارتكاز حيوية، ليس فقط كممر أو مخبأ، بل كمركز فعلي للإسناد اللوجستي والبشري، حيث احتضنت جرحى المجاهدين، وخزنت السلاح والمؤونة، ووفّرت الحماية والتمويه للمفارز الثورية، ومع اشتداد حاجة جيش التحرير للسلاح، اقترح القائد الميداني سي المولود عمروش، المعروف باسم المولود إيواقورن، خطوة غير مسبوقة تجسدت في تبرع المجاهدات البطلات بأسلحتهن لفائدة المقاتلين في قلب المواجهة، في صورة تختزل عمق التلاحم بين المرأة والرجل في الثورة، وقد أمر سي المولود ثلاث مجاهدات، وهن مليكة قايد، دانيا، وهجيرة، بالاختباء في ملجأ قريب بإحدى الهضاب حماية لهن من القصف المرتقب.
لم تتأخر القوات الاستعمارية الفرنسية في الرد، إذ أطلقت واحدة من أوسع عمليات التمشيط في جنوب جرجرة، شاركت فيها وحدات برية وجوية ومدفعية ثقيلة، تحت قيادة العقيد مارسيل بيجار، ضمن ما عُرف بسياسة الحصار الشامل، وتشير الروايات المحلية والمصادر التاريخية إلى مشاركة عشرات الآلاف من الجنود في العملية، ضمن قوة إجمالية هدفت إلى خنق المنطقة بالكامل، لا إلى خوض اشتباك محدود، حيث فُرض حصار خانق على جبل إيواقورن والقرى المجاورة، وقطعت طرق التموين، وشُنّ قصف جوي ومدفعي مكثف دمّر أغلب المنازل والأكواخ، ولم يميز بين مجاهد ومدني.
وفي صبيحة الثامن والعشرين من جوان 1957، بلغ العنف الاستعماري ذروته، إذ لم تتوقف الطائرات عن قصف الصخور والأحراش والمساكن، وسقط عدد كبير من المدنيين العزل ضحية القتل والتنكيل، فيما اضطر سكان إيواقورن ومحيطها إلى النزوح الجماعي نحو مناطق أخرى، من بينها الموقع المعروف حاليًا بـ«رافور»، في واحدة من أبشع عمليات التهجير القسري التي عرفتها المنطقة خلال الثورة.
وسط هذا الجحيم، اندلعت اشتباكات عنيفة بمنطقة أفازنو بين قوات الاحتلال ومجاهدي جيش التحرير الوطني بقيادة سي المولود عمروش، حيث أبدى المجاهدون مقاومة شرسة رغم الفارق الكبير في العتاد والعدد، إلى أن استشهد سي المولود بعد قتال بطولي، ليسقط واحد من أبرز القادة الميدانيين الذين أرهقوا الجيش الفرنسي بمعرفته الدقيقة بالتضاريس واعتماده على حرب الاستنزاف، واستشهد إلى جانبه عدد من رفاقه، من بينهم ولد عبد الرحمن محند شريف، حسين منصوري، عمر عكوش، سعيد كشادي، وأحمد بودهى، لتتحول أرض إيواقورن إلى بقعة مروية بدماء الشهداء.
ولم يكتف الاستعمار بقتل القائد، بل لجأ إلى أسلوب نفسي اعتاده مع قادة الثورة، حيث نُقل جثمان الشهيد سي المولود إلى قرية سلوم، وعُرض أمام منزل الحاج عاشور أث عثمان بمنطقة تيبحيرين، وجُمع الأهالي من القرى المجاورة لإجبارهم على مشاهدة جثة من اعتبرته السلطات الاستعمارية «فلاڨًا خطيرًا»، في محاولة لبث الرعب وكسر المعنويات، غير أن هذا المشهد لم يؤدِّ إلا إلى تعميق الغضب الشعبي وترسيخ القناعة بعدالة القضية الوطنية.
دُفن الشهيد مؤقتًا في المكان نفسه إلى غاية شهر أوت 1965، حيث نُقل جثمانه إلى قريته إيواقورن، بتادرت الجديد، في موكب رسمي مهيب شمل أيضًا إعادة دفن شقيقه الشهيد أحمد عمروش، وقد جرت مراسم التشييع يوم 23 أوت 1965 بحضور العقيد كريم بلقاسم وعدد من القادة التاريخيين، من بينهم أعمر أوعمران، محند والحاج، سليمان عميرات، والمناضل علاوة بومعزة الذي ألقى كلمة تأبينية مؤثرة بالمناسبة، اعتُبرت شهادة تاريخية على الدور الريادي لعائلة عمروش في الحركة الوطنية بمنطقة البويرة.
إن معركة إيواقورن، وإن لم تُحسم بمنطق الانتصار العسكري التقليدي، إلا أنها جسدت واحدة من أبلغ صور الصمود الشعبي والمقاومة الجماعية، وكشفت حدود القوة الاستعمارية أمام إرادة شعب متجذر في أرضه، لقد كانت إيواقورن رسالة واضحة مفادها أن القصف والحصار والتهجير لا يمكنها إخضاع منطقة جعلت من الجبل وطنًا، ومن التضحية طريقًا، ومن الشهادة ذاكرة لا تموت.
![]() |
| صور من الارشيف الثوري لمنطقة امشدالله |
.jpg)



