![]() |
| الاتصال الرقمي و الخدمة الإعلاميّة المحلية |
بقلم: ڤاسي جيلالي
في عصر التدفق الرقمي السريع، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي بمثابة الجسر الأساسي والأسرع لربط المؤسسات الوطنية بزبائنها ومحيطها الاجتماعي، ومن هذا المنطلق، استبشر المواطنون خيراً بقيام كبرى الشركات الخدمية، وعلى رأسها مؤسسات قطاع الاتصالات والتكنولوجيا، بفتح صفحات محلية على مستوى الولايات و الدوائر (كولاية البويرة نموذجاً)، بهدف تقريب الإدارة من المواطن وتوفير معلومة جوارية آنية تهمه في حياته اليومية.
لكن المتأمل في واقع العديد من هذه الصفحات الولائية مؤخراً، يلاحظ تراجعاً واضحاً في دورها الأساسي، حيث تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد منصات لإعادة نشر (Partage) ما تبثه "الصفحة الأم" أو المديرية المركزية للعاصمة، هذا التوجه يطرح تساؤلاً مشروعاً حول القيمة المضافة لهذه الصفحات الجوارية، وجدوى وجودها إذا كانت ستكتفي بدور "الصدى" لخدمات وأخبار وطنية عامة يعلمها المواطن مسبقاً عبر القنوات الرسمية الكبرى.
حي "أزواغن وتيخوباي" بأمشدالة.. نموذجاً للمفارقة!
ولعلّ أبرز مثال حي يصنع الحدث هذه الأيام (ماي 2026)، هو ما تداولته المجموعات الفيسبوكية المحلية بنشاط كبير، حيث تسابق المواطنون لزفّ خبر سار جِد جواري، مفاده قيام وكالة اتصالات الجزائر بمشدالة بعملية بيع جوارية على مستوى حي "أزواغن وتيخوباي"، ودعوة الساكنة للتقرب من الوكالة مصحوبين بالملف المطلوب للاستفادة من مودام الإنترنت فائق السرعة عبر الألياف البصرية (FTTH).
المفارقة العجيبة والتي تدعو للاستغراب، هي أنه عند قيام المواطن بالبحث في الصفحة الرسمية المحلية للشركة بالولاية للتأكد من مصداقية هذا الخبر الهام الذي يمس محيطه الجغرافي، يصطدم بـ "غياب تام" لأي أثر لهذا الإعلان! وبدلاً من أن تكون الصفحة الرسمية هي المصدر الأول لهكذا بشرى تسويقية وتنويرية، يجد الزائر نفسه أمام سيل من المنشورات المعاد مشاركتها من الصفحة الوطنية الأم، والتي لا علاقة لها بالاهتمامات الآنية لساكنة المنطقة.
غياب المعلومة المحلية.. والمواطن يبحث عن البديل
إن هذا الغياب لا يمثل فقط فرصة ضائعة للتسويق الذكي وجلب الزبائن للمؤسسة، بل يساهم أيضاً في خلق فجوة اتصال عميقة، المواطن في بلديات وقرى الولاية لا يبحث في الصفحة المحلية عن اتفاقيات دولية أو إحصائيات وطنية عامة، بل يتبادر إلى ذهنه أسئلة مباشرة لصيقة بيومياته: أين وصلت أشغال ربط حيّنا بالألياف البصرية؟ ما هي المناطق المعنية بتذبذب الخدمة بسبب الصيانة اليوم؟ ومتى تنزل فرق البيع الجواري إلى أحيائنا؟ عندما يغيب الإعلام الرسمي المحلي، يصبح المواطن والمتطوع في المجموعات أوالصفحات الفيسبوكية هو الصحفي الجواري البديل، وهو من يقود الحملة الإعلانية للشركة دون علمها!
من أجل استراتيجية اتصال جوارية حقيقية
إن هذا النقد لا ينطلق من باب المزايدة أو الهجوم على مؤسساتنا الوطنية التي نعتز بإنجازاتها الميدانية وبسهر مهندسيها في الميدان، بل هو دعوة صادقة وبنّاءة لإعادة النظر في استراتيجية الاتصال الرقمي على المستوى المحلي، المؤسسة التي تبيع التكنولوجيا والاتصال، يُفترض أن تكون السباقة لتقديم نموذج احترافي في إيصال المعلومة وتسهيل تدفقها.
تطوير عقلية الاتصال يتطلب منح مساحة أكبر من المبادرة للقائمين على الصفحات الولائية، وتزويدهم بالمعطيات الميدانية أولاً بأول، وتدريبهم على صناعة محتوى تفاعلي يواكب تطلعات المواطن.
لقد حان الوقت لتخرج الصفحات المحلية من عباءة "النسخ واللصق" والمركزية المفرطة، لتمارس دورها الحقيقي كشريك إعلامي جواري يساهم في تنوير الرأي العام المحلي ويخدم التنمية في الولاية، فالرقمنة الحقيقية ليست مجرد فتح حسابات على منصات التواصل، بل هي مضمون وخدمة وتواصل فعال يلامس واقع المواطن أينما كان.
.jpg)
