![]() | |
الفنان صالح السعداوي |
بقلم: ڤاسي جيلالي
في التاسع من ماي، لا نحيي فقط ذكرى رحيل فنان؛ بل نستحضر قصة نضال بدأت من أعماق "أحنيف" لتمتد إلى شوارع باريس وأحياء العاصمة، إنها ذكرى "دا صالح" سعداوي (1936-2005)، الرجل الذي عجن الفن بالتمرد، وجعل من صوته صرخة لهوية لا تقبل الانكسار.
من "أحنيف" إلى "لابوانت بيسكاد".. شجرة جذورها الأصالة
لم تكن عبقرية صالح سعداوي وليدة الصدفة، بل سليل عائلة عُرفت بالوجاهة والإحسان، فمن عبق السبعينيات في منزل العائلة بـ "لابوانت بيسكاد" بالعاصمة، حيث كان يجتمع الوالدان والأجداد، تشرب دا صالح قيم الأحرار.
لقد كانت شجرة عائلته ضاربة في الفن والنضال؛ فمن رقصات "إضبالن" الشعبية التي أتقنها الأخوين بابا محند أوعيسى والجد قاسي، ومن قصائد "ماما ثبولعزيزيث" التي حفظت ذاكرة الأرض، استقى أنفاسه الفنية الأولى، في هذا الكنف، ترعرع على محبة الناس والتمرد على قيود الاستعمار، ليصبح فنه لاحقاً امتداداً لهذا الإرث العظيم.
نضال "المجاهد" في قلب المهجر
في ريعان شبابه، وتحت وطأة الثورة التحريرية المظفرة، هاجر دا صالح إلى فرنسا، لكنه لم يذهب باحثاً عن لقمة العيش فحسب، بل حاملاً قضية وطن، انخرط في صفوف جبهة التحرير الوطني (فيدرالية فرنسا)، وكان عضواً بارزاً في فرقتها الفنية، رفقة المايسترو عمراوي ميسوم، ناضل بصوته وألحانه لإيصال صوت الثورة الجزائرية إلى المحافل الدولية، مؤمناً بأن الفن سلاح لا يقل شأناً عن البندقية.
ريادة فنية: من "سعداوي فون" إلى المسرح الهادف
بعد الاستقلال، لم يتوقف عطاء ابن مشدالة؛ بل أسس إمبراطوريته الفنية الخاصة "سعداوي فون"، ليصبح من أوائل الفنانين الجزائريين الذين خاضوا غمار الإنتاج المستقل، برع في الأغنية القبائلية برائعتيه "يشرق إيطيج" و*"عمي سليمان"*، كما أبدع في الدارجة الجزائرية بأغانيه الاجتماعية الساخرة مثل "حبيت نتزوج وحدي".
ولم يكتفِ بالغناء، بل شكل مع رفيق دربه "قاسي تيزي وزو" ثنائياً مسرحياً فكاهياً قدّم مرآة عاكسة لواقع المجتمع الجزائري ومعاناة المهاجرين بأسلوب راقٍ وهادف.
الرحيل والوفاء لتراب الوطن
رغم سنوات النجاح في الغربة، ظل قلبه معلقاً بتراب "أحنيف" و"مشدالة"، وبعد رحلة حافلة، غادرنا دا صالح في 9 ماي 2005 بمستشفى باريس، ليعود جثمانه ويحتضنه تراب الجزائر التي غنى لها وناضل من أجلها.
نحن في "شرفة ميديا"، إذ نكتب هذه الكلمات، فإننا نؤكد أن رحيل الجسد لا يمحو أثر المبدعين، سيبقى صالح سعداوي فخر منطقة مشدالة، ورمزاً للفنان الذي لم يبع قضية وطنه ولا أصالة جذوره.
رحم الله دا صالح سعداوي.. صوت الأحرار وذاكرة الأجيال.
.jpg)
