بقلم: ڤاسي جيلالي
في الثالثِ من ماي من كلِّ عام، اعتدنا سماعَ الخُطَبِ الكلاسيكيّة عن “صاحبةِ الجلالة”، غيرَ أنَّ الحقيقةَ اليومَ تُكتَبُ بلغةٍ مختلفةٍ تمامًا، لم تعدِ الصحافةُ حِكرًا على أروقةِ المؤسّساتِ الكبرى، بل انتقلت إلى جيبِ كلِّ مواطنٍ يحملُ هاتفًا، وإلى شاشةِ كلِّ شغوفٍ قرّر أن يكونَ صوتًا لمجتمعِه ومحيطِه.
لقد ولّى زمنُ الخبرِ الذي ينتظرُ الطباعةَ والتوزيع، فنحن نعيشُ اليومَ عصرَ الصحافةِ الجِواريّة، حيثُ أصبحتِ المنصّاتُ الرقميّة، من مواقعَ إلكترونيّةٍ وصفحاتِ تواصلٍ اجتماعي، تنقلُ تفاصيلَ الحياةِ اليوميّة بدقّةٍ وسرعة، من انشغالاتِ الأحياءِ البسيطة إلى نجاحاتِ الشباب في الميادينِ الرياضيّةِ والثقافيّة، باتت هذه القضايا حاضرةً بقوّة، رغمَ أنّها قد تغيبُ أحيانًا عن الإعلامِ التقليدي، لكنها تمثّلُ الخبرَ الأقربَ إلى المواطن.
وفي هذا التحوّل، لم تعد كلمةُ “هاوٍ” تُحيلُ إلى قلّةِ الخبرة، بل أصبحت مرادفًا للشغفِ والالتزام، فالهواةُ وأصحابُ المبادراتِ الإعلاميّةِ المستقلّة يقودون اليومَ ديناميكيّةً جديدة، لأنّهم يقدّمون محتوى حيًّا، نابضًا، يتفاعلُ مع الجمهور لحظةً بلحظة، ولم تعد الاحترافيّةُ مرتبطةً ببطاقةٍ مهنيّة، بل تُقاسُ بمصداقيّةِ الخبر، وجودةِ الصياغة، واحترامِ عقلِ المتلقّي.
ومن جهةٍ أخرى، برز الذكاءُ الاصطناعي كعاملٍ حاسمٍ في هذا المشهدِ الجديد، حيثُ أضحى بمثابةِ محرّكٍ متطوّرٍ يعزّزُ قدراتِ الإعلامِ الرقمي، فقد أتاحَ أدواتٍ متقدّمةً لتحسينِ المحتوى البصري، وترميمِ الأرشيف، وكذا دعمِ عمليّاتِ التحقّق من الأخبار ومكافحةِ المعلوماتِ الزائفة، وهو، في جوهره، لا يُلغي دورَ الصحفي، بل يُخفّفُ عنه الأعباءَ الروتينيّة، ليتفرّغَ أكثرَ للتحليلِ العميقِ والعملِ الاستقصائي.
ومع اتّساع هذا الفضاء الرقمي، تبرز مسألةُ المسؤوليّة القانونيّة والأخلاقيّة كعنصرٍ لا يقلّ أهميّة، فكلُّ من ينشر محتوىً أصبح شريكًا في تشكيل الرأي العام، ونشرُ معلومةٍ دون تحقّق قد يُلحق ضررًا بالأفراد أو يُثير البلبلة داخل المجتمع، من هنا، لم يعد السبقُ الصحفي قيمةً قائمةً بذاتها، بل باتت الدقّةُ شرطًا أساسيًا لنجاح أي تجربة إعلاميّة.
وفي السياق ذاته، يفرض التكوينُ المستمر نفسَه كضرورةٍ ملحّة، فالشغف وحده لا يكفي، بل يحتاج إلى دعمٍ بالمعرفة والمهارات، مثل التحقّق من المصادر، وصياغة العناوين دون تضليل، واحترام خصوصيّة الأفراد، إنّ الاستثمار في التعلّم، حتى بشكلٍ ذاتي، كفيلٌ بتحويل المبادرات البسيطة إلى مشاريع إعلاميّة ناضجة وأكثر تأثيرًا.
كما أنّ بناءَ الثقة مع الجمهور أصبح ركيزةً أساسيّة في نجاح أي منصّة، فالمتابع اليوم ليس متلقّيًا سلبيًا، بل شريكٌ فعّال، يُعلّق ويُناقش ويُقيّم، لذلك، فإنّ التفاعلَ مع الجمهور، وتصحيحَ الأخطاء بشفافيّة، يعزّزان المصداقيّة ويمنحان المحتوى بُعدًا إنسانيًا أعمق.
ولم يعد النصّ وحده كافيًا في هذا العصر، إذ أصبح تنويعُ المحتوى ضرورةً للوصول إلى جمهورٍ أوسع، خاصّةً فئة الشباب، الفيديوهات القصيرة، والبودكاست، والقصص المصوّرة، كلّها أدواتٌ حديثة تُسهم في نقل المعلومة بشكلٍ جذّاب، دون التخلّي عن الجودة والمضمون الهادف.
ورغم هذا التدفّقِ الهائلِ للمعلومات، تبقى المصداقيّةُ هي الفيصل، ففي عالمٍ رقميٍّ سريعِ الإيقاع، تصبح الأمانةُ في نقلِ الخبر، والالتزامُ بأخلاقيّاتِ المهنة، أساسًا لبناءِ الثقة، إنّ الاستخدامَ الواعيَ والمسؤولَ للتكنولوجيا، مع نقلِ نبضِ الشارع بصدق، هو ما يمنحُ لأيِّ منصّةٍ قيمتَها الحقيقيّة، مهما كان حجمُها.
وفي هذا اليوم العالمي، تتجلّى حقيقةٌ أساسيّة: الحرّيّةُ الإعلاميّة لا تعني فقط قولَ ما نريد، بل تعني أيضًا امتلاكَ الأدواتِ والوعيِ لنشرِ ما ينفعُ الناس، تحيّةٌ لكلِّ من يحملُ شغفَ الكلمة، ويسهرُ خلفَ شاشةٍ صغيرةٍ ليصنعَ أثرًا كبيرًا، ولكلِّ من سخّرَ التكنولوجيا في خدمةِ الحقيقة.
.jpg)
