![]() |
| البروفيسور فرحات بلولي في ملتقى علمي و أدبي |
حاوره:ڤاسي جيلالي
في هذا الجزء الثالث والختامي من حوارنا الشامل مع البروفيسور فرحات بلولي، ننتقل من تشخيص الواقع اللساني في الشارع والملاعب إلى "غرفة العمليات" السياسية والأكاديمية، لا يكتفي ضيفنا هنا بوصف المشهد، بل يطلق أحكاماً لسانية جريئة تتجاوز الصراعات الأيديولوجية الكلاسيكية التي استهلكت طاقة المجتمع الجزائري لعقود.
الجزء الأول من الحوار انقر هنا
الجزء الثاني من الحوار انقر هنا
نترككم مع تفاصيل هذا الجزء الذي يضع النقاط على الحروف في "معركة اللغات" المستقبلية..
بينما يحتدم الصراع بين دعاة العربية ودعاة الأمازيغية، نجد أن اللغة الفرنسية لا تزال هي المهيمنة في الإدارات والمعاملات الاقتصادية، هل تعتقد أن هذا الصراع 'البيني' يخدم بقاء لغة المستعمر القديم على حساب اللغتين الوطنيتين؟
الأستاذ فرحات: يبدو لي أنّ اللّغة الفرنسية في طريقها إلى الانحسار ليس بفعل قوة العربيّة ولا الأمازيغيّة أو للصّراع بينهما بل بسبب العولمة التي فرضت نفسها على كلّ البلدان، وفرضت الإنجليزية كبديل لا مفر منه عاجلا أو آجلا مع أفاق لهيمنة اللّغة الصّينيّة أيضا في مستقبل مُمكن.
اللغة الفرنسية في طريقها إلى الانحسار.. وستندثر في الجزائر تماماً كما اندثرت 'اللاتينية' من قبلها.
هناك تيار يرى أن التمسك بالفرنسية هو تمسك بـ 'غنيمة حرب' وإرث إداري لا يمكن الاستغناء عنه، بينما يرى تيار آخر أنها لغة 'تجاوزها الزمن' وعائق أمام التطور, من منظور لساني نفعي، هل الجزائر قادرة فعلياً على القطيعة مع الفرنسية لصالح الإنجليزية، أم أن الأمر مجرد 'شعبوية سياسية'؟
الأستاذ فرحات: أرى أنّ الجزائر حاليا ليست فقط قادرة بل مطالبة بشكل فوري بقرار تجاوز الفرنسية، أما على المستوى الميدانيّ فالحقيقة تقتضي منا الاعتراف أنّ التّحول من لغة إلى أخرى لا يمكن أن يكون فوريا، وعليه يجب التّخطيط لذلك بشكل يسمح بشيء من السّلاسة لا تضر بالمفرنسين ولا تضر بمصالح الجزائر، لأنّ مصلحة الجزائر هي في التّخلي عن الفرنسية التي لم تعد اللّغة العالميّة الأولى كما كانت.
وأضيف -في هذا الشّأن- أنّ مسألة اللّغات في الجزائر يجب أن تكون موضوع نقاش مفتوح لأنّ ضرورة التّخلي عن الفرنسية شيء مفروغ منه، لكن قضية التّحول إلى الإنجليزية بالنّسبة لي تحتاج إلى توسيع المشورة؛ فيما يخصني أدعو إلى جعل اللّغتين الوطنيتيْن لغتا التّدريس مع تشجيع لغتين أجنبيتيْن هما الصّينيّة والإنجليزية، كما أرى أنّ الأجدر أن لا تظهر أيّة لغة أجنبية سواء الفرنسية أو الانجليزية أو الصّينيّة في الفضاء العام (اللافتات، الوثائق الإداريّة...) نحن جزائريون لدينا لغتين هما العربيّة والأمازيغيّة، أما الباقي فهي لغات أجنبية لا يستقيم استعمالها في الفضاء العام.
الجزائر ليست قادرة فقط، بل هي مُطالبة بشكل فوري بقرار تجاوز الفرنسية التي لم تعد اللغة العالمية الأولى
لماذا فشلنا في تعريب العلوم طيلة عقود، ونحن الآن نحاول 'أنجلزتها' (Englishization)؟ هل المشكلة في اللغة ذاتها، أم في المنظومة التي تنتقل من لغة أجنبية إلى أخرى دون تمكين اللغة الوطنية؟
الأستاذ فرحات: أعتبر أنّ التّعريب لم يفشل لخلل في اللّغة العربيّة فالطّب كان يُدرس بالعربيّة في سوريا قبل الحرب الأخيرة التي حدثت هناك، أما سبب فشله فهو نقص في التّخطيط اللّغويّ -وهو المفهوم الذي تحدثتُ عنه سابقا- فتدريس العلوم بالعربيّة لو أُريد له أن ينجح فعلا لاعتُمد التّدرج مثلا وهو الشّيء الذي ذكرتُه في إجابتي السّابقة عن التّحول إلى اللّغة الانجليزية؛ فالقرار يجب أن يكون فوريا أما تطبيقه فيجب أن يكون مُخططا له كما يجب، وذلك بتحضير الأساتذة والمراجع والمؤطر الإداريّ.... وهو ما لم يتم بالشّكل المطلوب، وهو ما عطل التّعريب ككلّ...
الأستاذ الجامعي والباحث الجزائري وجد نفسه فجأة مطالباً بنشر أبحاثه بالإنجليزية بعد أن قضى مساره بالفرنسية، هل هذا الانتقال 'القسري' يخدم جودة البحث العلمي في جامعاتنا، أم سيخلق جيلاً من الأساتذة والطلبة 'تائهين' بين لغتين؟
الأستاذ فرحات: قرار له ما له وعليه ما عليه، فمن جهة يساعد الجامعة الجزائرية والأستاذ الجزائري على الحصول على المقروؤية الدولية، لكنه من جهة أخرى يضعه تحت ضغط تعلم لغة أجنبية ليس له عهد بها وبالتالي سيضيع كثيرا من قدراته دون الوصول ربما إلى المستوى الذي كان عليه سابقا في لغته الأولى، لكن على حد علمي أنّ هذا القرار ليس إجباريا بل لديه جانب تحفيزي فقط –مثلا نقاط زائدة في التّرقية-، وهذا ربما ما يترك مجالا للذي لا يتقن الإنجليزية مواصلة مساره باللّغة الأجنبية التي يتقنها، أما الشّباب والذين يتقنون الإنجليزية فسيتجهون للنّشر بها مباشرة لوجود الحافز.
في حين أنّ ما يتعلق بجودة البحث العلميّ أرى أنّ الشّأن اللّغويّ ليس له دور محوريّ في تحقيق الجودة؛ فالجزائر ليست رائدة علميّا بالفرنسية لذلك لا أرى أنّ اللّغة هي العائق الأساسيّ.
اللغة الفرنسية في منطقتنا لم تعد مجرد لغة أجنبية، بل تغلغلت في 'الدارجة' وفي 'الأمازيغية' (الفرنسية المغاربية)، هل استبدالها بالإنجليزية سيؤدي إلى 'صدمة لسانية' لدى المواطن البسيط الذي تعود على مصطلحات فرنسية في حياته اليومية؟
الأستاذ فرحات: تقديري الصّدمة غير موجودة لأنّ الإنجليزية كاقتراضات ظهرت منذ فترة وقبل قرار التّحول إلى اللّغة الإنجليزية خاصة مع القنوات الخليجيّة والعولمة عموما، أما اللّغة الفرنسية فيبدو لي سيحدث لها ما حدث للاتينية في الجزائر،حيث كانت هذه اللّغة معروفة في منطقتنا وكَتب بها القديس أوغسطين وأفولاي ن مداوروش... لكن اندثرت نهائيا فيما بعد.
لا يجب أن تظهر أي لغة أجنبية في فضائنا العام؛ نحن جزائريون ولدينا لغتان وطنيتان هما العربية والأمازيغية
لو خيرنا الطالب اليوم بين الإنجليزية لأنها لغة العلم، والفرنسية لأنها 'لغة الفيزا' وسوق العمل الحالي في الجزائر، فبماذا تنصحه؟ وكيف يمكن للمختص اللساني أن يوجه القرار السياسي في هذا الشأن؟
الأستاذ فرحات: فيما يخصني أنصح الطّلبة باللّغة الإنجليزية وإن أمكن أنصحهم بالتّعدد اللّغويّ يعني أكثر من لغة أجنبية واحدة، أما إذا كان الطّالب يحتاج للفرنسية لحاجة اقتصاديّة أو غيرها فعليه أيضا بتعلمها، لكن لا أُقدم لها الأولوية، أما قدرة المتخصص في اللّسانيات في توجيه القرار السّياسّي فالمتفق عليه أنّ اللّسانيّ لا يؤثر على القرار السّياسيّ بل يقترح آراءه العلميّة فقط، ورأسا على ذلك القرار السّياسيّ يتخذه السّياسيون بناءً على اعتبارات قد لا تكون علميّة بالضّرورة.
أستاذ، بصراحة.. هل ترى أن الصراع بين 'المعربين' و'الممزيغين' في الجزائر سيجد حلاً علمياً يوماً ما، أم أنه 'بيزنس أيديولوجي' يقتات عليه السياسيون من الطرفين لإلهاء الشعب عن قضاياه الحقيقية؟
الأستاذ فرحات: أرى أنّ النّقاش بين المُمزغين والمُعربين تراجع كثيرا بعد ترسيم اللّغة الأمازيغيّة سنة 2016 أما الذين يحاولون استغلاله فالدّولة كانت بالمرصاد، وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة كيف تمت محاكمة وسجن البعض منهم، وهذا طبعا يسير في تقديري في اتجاه إيقاف هذا الصّراع نهائيا، فمن جهة الأمازيغيّة تعرف طريقها إلى الاعتراف الكامل، وإن كان هناك أشياء لم تحقق لكنها في الطّريق، ومن جهة أخرى يُمنع منعا باتا المساس بكلّ الثّوابت، أما الاستقرار النّهائي فأعتقد أنّه سيأخذ وقتا -كما أشرنا سابقا- فالتّخطيط اللّغويّ يأخذ دائما وقتا طويلا نوعا ما، لكن هذه المسألة أرى أنّها تسير إلى التّسوية النّهائية، فرئيس المجلس الأعلى للّغة العربيّة حاليا يتكلم نفس الخطاب الذي يتكلمه الأمين العام للمحافظة السّامية للأمازيغيّة وهو خطاب رئيس الجمهوريّة نفسه الذي يرى أنّه يجب احترام الثّوابت الوطنيّة كلّها، وأرى أنّ حتى النّاشطين المعتدلين يسيرون كلّهم في هذا الاتجاه، وما بقي من المستغلين لهذا الصّراع أعتبره من رواسب الماضي الذي سيتلاشى مع مرور الوقت؛ خاصة إذا نجح التّخطيط اللّغويّ الجاري تنفيذه، لكن يجب الاعتراف أنّ كلّ عثرة في التّخطيط اللّغويّ تُعطي فرصة لبروز هذا الصّراع مرّة أخرى.
أنصح الطلبة باللغة الإنجليزية كأولوية قصوى، مع ضرورة التمسك بالتعدد اللغوي الواعي
بصفتك مختصاً في 'تحليل الخطاب'، كيف تحلل خطاب الذين يهاجمون العربية دفاعاً عن الأمازيغية (أو العكس)؟ هل ترى في خطابهم 'استلزامات' تدل على خوف من الآخر؟ وكيف يمكن لعلم اللسانيات أن يفكك هذا الخطاب العنيف ويحوله إلى خطاب تعايش؟
الأستاذ فرحات: بداية لا يمكن لتحليل الخطاب أن يحول الخطابات من العنف إلى التّعايش لأنّه كعلم ليس مجعولا لذلك، أما مهمته فهي تحليل آليات الخطاب عموما، ومنه الخطاب العنيف، وفي هذا الشّأن هناك دراسات كثيرة عند الغرب في هذا الموضوع، أما في المنطقة العربيّة فهذا النّوع من الدّراسات مازالت في بداياتها ويتحاشاها الكثير من الباحثين لتداخلها مع الشّأن السّياسيّ، لكن عموما الخطاب العنيف لديه استراتجياته لا سيما فكرة هدم الشّرعية، لأنّ كلّ خطاب عنيف إنما يحاول إقامة شرعيّة جديدة بهدم شرعيّة قديمة، وهذا الأمر يحدث على المستوى اللّغويّ بصيغ مختلفة حسب السّياقات والأشخاص والخطابات.
المواقف تجاه اللّغات
أستاذ فرحات، مسارك الأكاديمي يجمع بين التخصص في اللغة العربية والأدب العربي، وبين النضال العلمي من أجل اللغة الأمازيغية، كيف تعيش هذا التكامل اللغوي في شخصيتك العلمية؟ وكيف ترد على من يرى أن التخصص في أحدهما يعني استبعاد الآخر؟
الأستاذ فرحات: أشرتُ سابقا إلى أنّي انخرطتُ في النّضال من أجل الاعتراف والرّقي باللّغة الأمازيغيّة في سنوات الثّانوية أي في منتصف التّسعينات، وعندما سجلتُ في قسم اللّغة والأدب العربيّ في جامعة تيزي وزو أوّل شيء قمتُ به هو الانخراط في العمل الجمعويّ والنّقابيّ، فكنتُ هناك رئيسا لجمعية تسمى جمعية "آسيرم"، وقد فتحنا (مع أعضاء الجمعية) فيها ما بين 1997-2000 -وهي فترة رئاستي لهذه الجمعية- أقساما لتدريس الأمازيغيّة، فتخرج فيها المئات من الطّلبة بشهادات جمعوية لإتقان الأمازيغيّة، وهذا يعني أنّي عايشت التّكامل بين اللّغتين والنّضال في سبيل ترقية إحداهما بشكل عادي.
الصراع بين المعربين والممزيغين 'بيزنس أيديولوجي' يقتات عليه السياسيون لإلهاء الشعب عن قضاياه الحقيقية
أما الآراء التي تدعو إلى استبعاد أحدهما فهي آراء موجودة أُصنفها شخصيّا في خانة التّطرف لأنّ لا العلم ولا المنطق يقول بضرورة استبعاد لغة بمجرد اختيار أخرى، فالأحسن هو تعلم العديد اللّغات، أما الذي لم يتمكن من ذلك فليحفظ للّغات الأخرى احترامها، فالمواقف المُحببة للُغات بعينها أو المُبعدة لغيرها مواقف عاطفيّة غير موضوعيّة، وذلك ما تُقرُ به اللّسانيات الاجتماعيّة وأغلب الدّراسات الحاليّة، لكن يجب الاعتراف –أيضا- أنّ هذه المواقف موجودة لذلك هناك محور مهم في اللّسانيات الاجتماعيّة يهتم بقضية المواقف من اللّغات وكيفية معالجتها.
هناك من يرى أن الدفاع عن الأمازيغية هو بالضرورة هجوم على العربية، والعكس صحيح، من وجهة نظر لسانياتية، هل اللغات تتصارع أم تتعايش؟ وكيف تحول التنوع اللغوي في منطقتنا من ثراء ثقافي إلى حلبة صراع سياسي؟
الأستاذ فرحات: لوحظ منذ القديم أنّ اللّغة مُتشعبة الماهية لديها علاقة بالسّياسة وعلم الاجتماع وعلم النّفس... وهو ما جعلها كموضوع محل خلافات واختلافات، لسانيّا اللّغة "نظام من الأدلة المُتعارفِ عليها في جماعة بشريّة معيّنة"، لكن عندما نُدرج فيها العامل الاجتماعيّ فتُصبح اللّغات تعبيرا عن هويات وعن ثقافات... وعندما نُدرج فيها العامل السّياسيّ قد تُصبح وسيلة في يد جماعة سياسيّة ما، أما فيما يتعلق بعلاقات الصّراع والتّعايش، فهذا مرتبط ب"المواقف" لا سيما السّياسيّة منها، فبالنّسبة لكلّ أنواع المتطرفين العروبيين منهم أو الممزغين يجعلون كلّ العلاقات صراعيّة، أما المعتدلين فيجعلون كلّ العلاقات تعايشا، وبالتّالي يجب الاعتراف أنّ الموقف الإيديولوجي يُحدد المصطلحات المستعملة، أما واقع اللّغات -في تقديري- فهو احتكاك مستمر مادام النّاس في احتكاك دائم.
الدفاع عن الأمازيغية باللغة الفرنسية مفارقة ساخرة.. فالحب الصادق للغة يظهر في استعمالها لا في استعارة لغة المستعمر
إلى أي مدى يساهم 'التعصب اللغوي' من الطرفين في عرقلة التطور العلمي والتربوي في الجزائر؟ هل نحن أمام مشكلة لغوية أم مشكلة أيديولوجية تُستخدم فيها اللغة كغطاء؟
الأستاذ فرحات: ذكرت في الإجابة السّابقة العلاقة تطرف/اعتدال فالموقف الحقيقي موقف إديولوجي في الغالب، أما على المستوى التّربويّ والعلميّ فأعتقد أنّ كلّ اللّغات التي تمتلك تهيئة لغويّة مقبولة (بمعنى لها كتب ومعاجم...) فهي قابلة أن تكون لغة للعلم والتّعليم، أما الاختيار السّياسيّ فليس موضوع دراسة علميّة بقدر ما هو جانب سياسيّ يخضع لمعايير تدخل في المجال السّياسيّ، فنحن عندما ناضلنا مع كلّ سكان المنطقة من أجل الاعتراف باللّغة الأمازيغيّة كلغة وطنيّة ورسميّة مطلبنا كان مطلبا ثقافيّا، لأنّ أكبر دليل على ضرورة اعتماد الأمازيغيّة ليس دليلا علميّا بل دليل هوياتي، فنحن نقول إنّنا أمازيغ وبالتّالي نحن نطالب بلغتنا، الآن على المستوى العلميّ الأمازيغيّة يمكن أن تكون لغة دراسة وتدريس إلى حد ما، وإذا توفرت الوسائل والتّهيئة اللّغويّة اللازمة الأمازيغيّة يمكنها أن تكون لغة علم في أقرب الآجال، إذن في نهاية المطاف الإيديولوجي إن كان معتدلا سيكون دافعا ايجابيّا لمسألة اللّغات ككلّ تربويّا وعلميّا، أما إذا كان متطرفا فسيخلق صراعات لا نهاية لها وهو ما يؤثر بالضّرورة على المجال العلميّ والتّربويّ، أما التّأخر العلميّ والتّربويّ للجزائر فلا يمكن رده كليّة للّغة أو اللّغات بل هناك عوامل أخرى؛ منها ما هو أهم من اللّغة لا سيما السّياسات التّربويّة والإمكانيات الماليّة والحضارية...
يهاجم البعض الأمازيغية بحجة أنها 'لهجات مشتتة' وليست لغة علم، وفي المقابل يهاجم آخرون العربية بحجة أنها 'لغة وافدة'، بصفتكم مختصاً، هل يوجد في اللسانيات ما يسمى بـ 'لغة نقية' أو 'لغة متفوقة'؟ وكيف تردون على من يحكم على لغة بالمواد بناءً على موقف سياسي؟
الأستاذ فرحات: كل ما ذكرته من صفات سواء بالنّسبة للعربيّة أو للأمازيغيّة هي "مواقف" من اللّغات، وأشرتُ في إجابة سابقة إلى أهمية هذا المفهوم في اللّسانيات الاجتماعيّة بل هو منطلق أي دراسة لسانية اجتماعيّة للّغات، والحقيقة أنّه لا توجد لغة متفوقة بل هناك شعبٌ متفوقٌ لأنّه يملك حضارة مثلا، فالإنجليزية لم تكن لغة العالم عندما كان المسلمون يسيطرون على الأندلس، أما الآن فهي متفوقة لأنّ الأمريكيين هم الحضارة في زماننا، وبناءً على ذلك فالناس لديهم مواقف عاطفيّة إزاء اللّغات عموما، لكن العلم والدّولة لا يفكران بهذا المنطق بل يدرسان هذه "المواقف" ثم يربطانها بالسّياسة اللّغويّة المراد تحقيقها ثم يأتي التّخطيط اللّغويّ اللازم، فيما يخص الجزائر السّياسة اللّغويّة واضحة لدينا لغتين رسميتين هما العربيّة والأمازيغيّة إذن على الدّولة أن تُحقق هذه السّياسة؛ وهو ما تعمل على إنجازه عبر مؤسسات كثيرة مثل المجلس الأعلى للّغة العربيّة والمحافظة السّامية للّغة الأمازيغيّة... ثم تدريس هاتين اللّغتين في المدارس.... لكن يجب الاعتراف أنّ التّخطيط اللّغويّ يحتاج إلى وقت طويل لكي يتحقق –كما أسلفنا- وفق ما تصورته السّياسة اللّغويّة، والجزائر في تقديري تقوم بهذا العمل مع مراجعات مستمرة حسب الصّعوبات والأصداء التي تَرِدُها من الجمهور.
لماذا يتحول النقاش حول اللغة في منطقتنا دائماً إلى نقاش 'هوياتي' مشحون بالعواطف بدل أن يكون نقاشاً وظيفياً (أي لغة تنفعنا أكثر في التكنولوجيا والتعليم)؟ كيف يمكننا نزع فتيل هذه الحساسية؟
الأستاذ فرحات : سأكتفي بالإجابة عن السّؤال الثّاني لأنّ الإجابة عليه تتضمن الإجابة عن الأوّل، وعليه فالأمر كما أشرتُ سابقا مرتبط بالمواقف اللّسانية الاجتماعيّة من اللّغات، فكلّ هؤلاء الذين يتصارعون إنّما يفعلون ذلك بناءً على موقفهم، أما الحل فكما أشرتُ هو التّخطيط اللّغويّ، لاحظ مثلا منذ سنوات المحافظة السّامية للّغة الأمازيغيّة تنظم نشاطات لصالح اللّغة الأمازيغيّة في الكثير من مناطق الوطن من أدرار إلى باتنة إلى الشّلف وتلمسان.... كلّ هذا لتغيير المواقف من الأمازيغيّة التي كانت تعاني من مواقف تحقيريّة لسنوات، تصوّر أنّ النّاس في باتنة كانوا في البداية يرفضون سماع أنّ الملكة ديهيا منهم، لكن بعد سنوات طويلة من تنظيم نشاطات حول هذه الملكة اقتنع النّاس –أو أغلبهم على الأقل- أنّ هذه الملكة منهم وعليهم احترامها ومنه قبلوا تشييد تمثال لذكراها في باتنة... اللّغة كذلك يجب أن تتغيّر المواقف نحوها عن طريق عمل طويل المدى، وتدريس الأمازيغيّة نفسه يساعد على تغيير هذه المواقف ورفع هذه الحساسيات، لذلك كنا ولازلنا ندعو إلى تعميم تدريس اللّغة الأمازيغيّة على المستوى الوطنيّ لأنّ ذلك سيساهم في تغيير المواقف المضادة لهذه اللّغة.
كل لغة تمتلك كتباً ومعاجم هي قابلة لأن تكون لغة للعلم؛ المشكلة في السياسات التربوية لا في الألسنة
أستاذ، هناك ظاهرة تثير الكثير من السخرية والجدل في آن واحد: نجد من يدافع بشراسة عن الأمازيغية ضد 'تعريب الإدارة'، لكنه يكتب شعاراته ويخوض معاركه الفكرية بلغة فرنسية فصيحة! كيف يفسر علم اللسانيات هذه المفارقة؟ هل الفرنسية هنا هي 'سلاح اضطراري' أم أنها أصبحت، دون أن نشعر، هي اللغة الأم للنخبة المدافعة عن الهوية؟
أثبتت الكثير من الدّراسات اللّسانيّة الاجتماعيّة في الجزائر أنّ اللغة الفرنسية تعتبر لغة برستيج ولغة النّخبة وهذا من المواقف الرّائجة بين النّخب الجزائريّة، طبعا هناك من يستعمل الفرنسية لأنّها اللّغة الوحيدة التي يُتقنها، لكن الكثير ممن يستعملونها يقعون تحت طائلة الموقف المذكور، وهنا نعود دائما إلى قضية "الموقف" ومدى تأثيره على السّلوك اللّغويّ، وهناك ظاهرة أخرى متعلقة ب"الفجوة" الموجودة بين المواقف المُعلن عنها والممارسة اللّغويّة للمتكلمين، هذه قضية سأعود لشرحها في إجابتي عن السّؤال الموالي.
أستاذ بلولي، إذا طبقنا نظرية 'قرايس' على الواقع: عندما يدافع أحدهم عن الأمازيغية باللغة الفرنسية، ما هو 'المعنى الضمني' أو الاستلزامي الذي يصله للمستمع؟ هل هو رسالة مفادها أن الأمازيغية لا تزال لغة 'بيت' والفرنسية لغة 'نضال وفكر'؟ وكيف نكسر هذا الاستلزام الذي يسيء للقضية الهوياتية؟
الأستاذ فرحات: يطرح استعمال اللغة الفرنسية أكثر من إشكال عند المناضلين للاعتراف باللّغة الأمازيغيّة، وتكملة لما قلته في الإجابة عن السّؤال السابق أُكرر أنّ بعض من استعمل أو يستعمل الفرنسية للدّفاع عن الأمازيغيّة ليس لهم لغة عالمة أخرى إلا الفرنسية أي هي اللّغة الكتابيّة الوحيدة التي يتقنونها، ولكن هناك من اختارها أو يختارها حتى لإبراز انتمائه للفضاء الغربيّ ومعاداته للفضاء العربيّ-الإسلاميّ، طبعا بالنّسبة لكلامك أظنه يعني الصّنف الثّاني من مستعملي الفرنسية، وهذا يدخل في مبحث المواقف الذي تحدثتُ عنه سالفا، وقد لوحظ في الكثير من الدّراسات أنّه هناك تناقض بين تصريحات النّاس واستعمالاتهم اللّغويّة، فكثيرا ما تجد أنّ المتكلمين يقولون لك نحن "نحب اللّغة الفلانيّة" لكن في استعمالاتهم لا يلتزمون بتلك اللّغة، وهذا ليس حاصل في الأمازيغيّة فقط بل حتى في العربيّة، فأغلب الجزائريين المعربين سيقولون لك "نحب العربية لأنها لغة القرآن" لكن في استعمالاتهم لا يتكلمون الفصحى وعاميتهم خليط مع الفرنسية... وعندما تسأله يقول لك "أنا عربيّ"، هذه الفجوة بين التّمثلات (حب اللّغة) أي ما نؤمن به والاستعمال اللغوي الذي نلتزم به(كيفية الكلام) ظاهرة معروفة في البحث اللّسانيّ الاجتماعيّ، أما حلها كما قلنا –دائما- هو التّخطيط اللّغويّ والتّنفيذ المتأني مع ضرورة إحداث مراجعات كلّ مرّة، لأنّ الوعيّ باللّغة لا يعني استعمالها بشكل جيد دائما، فحبي للعربيّة أو الامازيغية لا يعني أنّني أستعملها بشكل جيد...
أناشد شبابنا: تعلموا اللغات، لكن لا تجعلوا منها حلبة للصراع، بل جسراً للتعايش والبناء
بحثت في آراء قامات مثل الإبراهيمي وشيبان؛ لو كان هؤلاء بيننا اليوم، كيف سيكون موقفهم من التراشق الحاصل على فيسبوك بين من يسمون أنفسهم 'باديسيين' وبين دعاة 'التمزيغ'؟ هل نحن نسيء فهم تاريخنا اللغوي؟
الأستاذ فرحات: الإبراهيبمي وشيبان عَلَمَيْن من أعلام جمعيّة العلماء المسلمين لديهما مواقف واضحة من اللّغات في الجزائر، فإن كان الإبراهيمي عاش في فترة بعيدة عنا نوعا ما، فإنّ عبد الرّحمن شيبان عاش في زمن غير بعيد عنا، وأُقدرُ أنّ شيبانا وَفِــيٌّ جدا للتّراث الباديسي، وهو نفسه كتب في كتابه "حقائق وأباطيل" –لا سيما في مقالاته الأخيرة- أنّ الجزائر عربيّة وأمازيغيّة، لذلك لا أظنه سيتنازل لا عن عربيته ولا عن أمازيغيته، لكن من حيث الموقف السّياسيّ الذي سيتخذه من هذا الصّراع الحاليّ فيصعب عليَّ التّكهن بذلك، لأنّ المواقف السّياسيّة عادة ما ترتبط بقضايا متنوعة مثل الأشخاص والإيديولوجيات... علما أن من يُسمون أنفسهم اليوم "الباديسيين" ليسوا كلهم فعلا باديسيين، ولا أدري هل سيقبل الشّيخ عبد الرّحمن شيبان وهو الوريث الشّرعيّ لابن باديس كلّ ما يقولونه.
بهذه الرؤية الاستشرافية، ينهي البروفيسور فرحات بلولي حواره لـ "شرفة ميديا"، تاركاً خلفه جملة من التساؤلات والقضايا التي تستدعي التأمل، إن دفاعه عن "التعدد اللغوي الواعي" ليس مجرد رأي أكاديمي، بل هو دعوة لتجاوز عقدة "الخوف من الآخر" والانتقال باللغة من حلبة الصراع السياسي إلى محراب الوظيفة العلمية والحضارية.
لقد رسم لنا البروفيسور مساراً يجمع بين الأصالة والانفتاح، مؤكداً أن لغتنا هي قدرنا، وعلمنا هو سلاحنا في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء حضارياً، باسم فريق 'شرفة ميديا' وكافة متابعينا، نتقدم بخالص الشكر والتقدير للبروفيسور على سعة صدره وصراحته المتناهية، ونأمل أن تكون هذه الكلمات لبنة في بناء جيل جديد متصالح مع هويته، مسلح بالعلم، ومتطلع للمستقبل.
إلى لقاءات أخرى مع قامات جديدة.. شكراً لوفائكم.
.jpg)
