![]() |
| البروفيسور فرحات بلولي |
حاوره: ڤاسي جيلالي
لا يقاس النجاح بالموقع الذي يصله المرء، بل بالصعاب التي قهرها للوصول"..
في هذا الجزء الأول من حوارنا الشامل، يفتح لنا البروفيسور فرحات بلولي قلبه وذاكرته، ليروي لـ "شرفة ميديا" قصة عصاميّة بدأت بالسير 7 كيلومترات يومياً نحو الثانوية، وانتهت بوضع بصمته في كبرى الجامعات.
ابن منطقتنا الذي عشق العربية ولم يتخلَّ عن الأمازيغية، يكشف لنا كيف تحول "العجز المادي" إلى "قوة علمية" قادته ليكون أول من يمد جسر الرواية بين لغاتنا الوطنية.
أستاذنا الفاضل، نتوجه إليكم بخالص عبارات الشكر والامتنان على قبولكم دعوة 'شرفة ميديا' لإجراء هذا الحوار الشامل، وعلى سعة صدركم ووقتكم الثمين الذي منحتموه لنا وللقارئ الكريم، إن تواجدكم معنا اليوم ليس مجرد استضافة عابرة، بل هو إضافة نوعية لمنصتنا، وفرصة نادرة لننهل من فيض علمكم وتجربتكم العصامية الملهمة.
أهلاً بك بروفيسور في بيتك وبين أهلك، ونحن فخورون جداً بأن تكون 'شرفة ميديا' هي النافذة التي تطلون منها على جمهوركم ومحبيكم بهذا العمق والصراحة.
الاستاذ فرحات: السلام عليكم وعلى قرائكم الكرام، أشكركم جزيل الشكر على هذه الاستضافة في هذا المنبر الجديد والمديد والمفيد، في الحقيقة، يسعدني جداً أن أتواصل مع جمهور 'شرفة ميديا'، وأؤمن أن واجبنا كأكاديميين هو الانفتاح على المجتمع ومناقشة قضاياه باللغة التي يفهمها الجميع، أنا مستعد للإجابة على تساؤلاتكم بكل صراحة وشفافية.
اضطررت في سنوات الثانوية لإكمال أنصاف السنوات الدراسية ماشياً على الأقدام؛ لنقص الأموال أو عدم وجودها أصلاً.
بداية أستاذ فرحات، يعرفك الكثيرون كأستاذ جامعي ومؤطر للأجيال، لكن قلة من يعرفون 'فرحات الطالب'، كيف كانت البدايات في منطقتنا؟
الأستاذ فرحات: فيما يخص بداياتي في المنطقة لن أُخفي عنك أنّها صعبة جدا لا سيما عندما انتقلت إلى الثّانوية (زوزمان-إمشدالن) التي تبعد عن قريتنا بحوالي سبعة (07) كلومترات، وما رافق ذلك من مصاريف من نقلٍ وأكلٍ... وهي أشياء صعبة على أمثالي مما اضطرني في كلّ سنوات الثّانوية إلى إكمال النّصف الثّاني من السّنة بالذّهاب إلى الدّراسة راجلا؛ لنُقص في الأموال أو عدم وجودها أصلا، لكن رغم ذلك كُنتُ شابا نشطا، وقد انخرطت منذ تلك الفترة في الحركة الثّقافيّة البربريّة (MCB)، وكنت أشارك في تنظيم الكثير من النّشاطات لصالح الاعتراف باللّغة الأمازيغيّة في الثّانوية وخارجها...
ما الذي دفع ابن منطقة ناطقة بالأمازيغية للاختصاص والتبحر في علوم اللغة العربية وآدابها؟
الأستاذ فرحات: أعترف أنّ هذا السّؤال طُرِح عليَّ مرارًا في أماكن كثيرة بما فيها في أوروبا، والحق أنّني لم أكنْ في فترة اختيار هذا التّخصص أعتبره شيئا غريبًا، لأنّني عندما كُنتُ تلميذا في الثّانوية كُنتُ أُشارك كثيرا في مادة اللّغة العربية مع أنّي لم أكنْ أَحسنَ التّلاميذ في القسم، فكانت أستاذتي فتيحة حداد –من قرية إواقوران والتي أنحني إجلالا لها من خلال منبركم- تعاني من تدخلاتي العنيفة أحيانا ورغم ذلك كانت تُشجعني كثيرا، وربما ما أذكره أيضا أنّي كنت أَحسنَ تلميذ في التّاريخ والجغرافيا، لكن بعد حصولي على البكالوريا، وبحُكم أنّ اختياراتي الأولى كانت كلّها موجودة في جامعة الجزائر العاصمة، والتّوجه آنذاك هو توجيه تلاميذ المنطقة إلى جامعة تيزي وزو، فقد قُبِلت في تخصص الأدب العربيّ في هذه الجامعة، وكان اختياري الثّامن –إن كانت ذاكرتي قوية- في بطاقة الرّغبات والأوّل من بين التّخصصات التي تُدرس بجامعة تيزي وزو، لكن بعد تَعَرُّفي على هذا التّوجيه لم أحتج ولم أُقدّم طعنا، وأبعد من ذلك؛ هناك من اقترح عليَّ مساعدتي -فيما بعد- لتغيير التّخصص فرفضتُ، ويعود ذلك إلى اعتقادي الرّاسخ -إلى يومنا هذا- أنّ العربيّة لغة مثلها مثل كلّ اللّغات، أما الزّيادة فيها مقارنة بغيرها ماعدا لغتي الأمازيغيّة فهي أنّها لغة الكثير من الجزائريين مثلي، وبالتّالي تستحق احترامي ومنافحتي من أجلها، طبعا أُشير إلى أنّني بالمناسبة منذ أيام الثّانوية أَعتبرُ أنّ التّعدد اللّغويّ هو أساس كلّ حياة لغويّة عادية في الجزائر، أما ما عدا ذلك فهو مدعاة لحصول القلاقل.
انتقلت في دراساتك بين تخصصات دقيقة، من الأدب واللغة إلى 'التداولية' و'تحليل الخطاب'، ما هي المحطة الدراسية التي تعتبرها 'نقطة التحول' في تفكيرك اللساني؟
الأستاذ فرحات: أعتبر أنّ أهم محطة وجهتني نهائيا إلى مسائل اللّغة هي اكتشافي أنّي أمازيغيّ، وهذا الأمر حدث لي في سن صغيرة جدا تعود إلى سنوات الدّراسة الإكمالية وبالضّبط –على الأرجح- إلى سنة 1989 وذلك بمناسبة وفاة الكاتب مولود معمري، حيث تَغَيَّب أستاذنا في ذلك الوقت لأنّه حظر جنازته، وعندما عاد حدثنا عنه وعن الأمازيغيّة... هناك اكتشفتُ لأوّل مرة التّفيناغ... وهناك عرفت لأوّل مرة أنّي أمازيغيّ... ومنذ ذلك الوقت بدأتُ أهتم بقضايا الأمازيغيّة رغم أنّها لم تكنْ لغةً موجودةً في المسار الدّراسيّ، وبحكم أنّ كلّ ما يتعلق بالأمازيغيّة مكتوب –عادة- بالفرنسية فقد تعرفت –أيضا- على الفرنسية -في الوقت نفسه-، وهكذا كانت كُرة الثّلج اللّغويّة تدور حتى وصلت إلى ما وصلت إليه، طبعا في الطّريق اِلتقيتُ بالكثير من الأشخاص الذين أثروا في توجيهي؛ أذكر منهم المناضل والشّاعر والصّديق الحسين عرباوي الذي ساعدني كثيرا على دخول عالم القراءة بالفرنسية والأمازيغيّة، وفي الجامعة اِلتقيتُ بأساتذة وأستاذات وجهوني توجيها أعتبره جيدا مثل الأستاذة سالمي و الأستاذ يحياتن و الأستاذ بلعيد...
سيرتكم الذاتية تظهر تمكناً من العربية والأمازيغية والفرنسية وحتى الإنجليزية؛ هل كان هذا التعدد اللغوي خياراً واعياً منذ أيام الدراسة لكي تكون 'جسر عبور' بين هذه الثقافات؟
الأستاذ فرحات: أعترف أنّ الاختيار في بداية الأمر لم يكنْ اختيارا واعيا، هو نتيجة لمسار أغلبه لم أُقرره وحدي بل لحاجات مُلحة في الكثير والغالب، عندما بدأتُ أَتعلمُ الكتابة باللّغة الأمازيغيّة كان بشكل عصاميّ، وكان الحسين عرباوي الذي ذكرته آنفا يساعدني، أما أهدافي في ذلك الوقت فهي كتابة أشعاري وقصصي بشكل صحيح، كما أنّي كُنتُ أستعملها في الأوساط النّضاليّة في الأمسيبي والجمعيات الثّقافيّة لكن في السّنة النّهائية درسناها وهي السّنة الوحيدة التي دَرستُها نظاميّا، وفي هذه الفترة كُنتُ أومن بضرورة التّعدد اللّغويّ لكن لم أَكُنْ أُتقنُ الجانب العلمي لهذا المفهوم، أما بالنّسبة للفرنسية فقد كُنتُ في الثّانوية أقرأ بها كُتبا، كُنتُ أُحضِر أغلبها من المكتبة أو عند الأصدقاء، لكن كُنتُ أقرأ –أيضا- الجريدة اليوميّة بالفرنسية، وللنّكتة كُنتُ أُراجعُ لامتحان اللّغة الفرنسية في الثّانوية في كلّ السّنوات بقراءة الجريدة، أما لحظة الوعي بالتّعدد اللّغويّ كمبدأ فكانت بعد النّجاح في مسابقة الماجستير (2003)؛ في هذه اللّحظة قررتُ أن أستعمل كلّ قدراتي اللّغويّة لإحداث الفارق في مسيرتي، وهو ما حققتُ جزءا منه والحمد لله.
الإبداع العلمي والأدبي لا يجب أن يتكل فيه الباحث على المؤسسة فقط، بل عليه أن يصنع وسائل رقيّه بمفرده.
ما هي أكبر العقبات التي واجهتكم كباحث من المنطقة في الوصول إلى مرتبة "أستاذ" في التعليم العالي؟ وهل ترى أن البيئة الأكاديمية في الجزائر اليوم تنصف الباحث المجتهد؟"
الأستاذ فرحات: لا يوجد مسار دون صعوبات، لكن هذه الصّعوبات تختلف من شخص إلى آخر ويختلف معه كيفية مواجهتها، فهناك من يواصل وهناك من يفشل... فيما يخصني أعترف أنّ أبرز العقبات التي عانيتُ منها هي الجوانب الماليّة التي لم تكن تسمح لي بالحركة ولا الغوص في مجالي... لكن بعد توظيفي استثمرت أموالي في تطويرِ نفسي بكلّ ما أوتيت من قوة، وهو ما سمح لي بالتّواجد في جامعات عالميّة كجامعة جونيف أو بادوفا... أما فيما يخص البيئة الأكاديمية في الجزائر، فأعتقد أنّ المؤسسة بشكل عام وليس في الجزائر فقط لا تُتيح دائما الفرص للتّقدم، وإنْ أتاحتها فعادة ما تكون مرفوقة بشروط كثيرة، وبالتّالي فيما يخصني أعتقد أنّني أخذتُ من المؤسسة كلّ ما أُريدُ، أما الإبداع العلميّ والأدبيّ لا يجب أن يتكل فيه الباحث على المؤسسة فقط بل عليه أن يصنع وسائل رُقيه بمفرده.
بصفتكم أستاذاً جامعياً، كيف ترون مستوى الإقبال على البحث اللساني في جامعاتنا اليوم؟
الاستاذ فرحات: يجب في البداية الإشارة إلى أنّ البحث اللّسانيّ ينقسم إلى أنواع، لكن أُميزُ شخصيّا بين ما أرى أنّه بحوث إبداعيّة وبحوث غير إبداعيّة، لأنّ الإضافة الإبداعيّة عامل حاسم بالنّسبة لي في البحث والفن والأدب عموما، وإذا انطلقنا من هذا التّصنيف أعتبر أنّ البحوث الإبداعيّة في البحث اللّسانيّ في جامعتنا قليلة أو قُلْ نادرة جدا، أما البحوث غير الإبداعيّة فقد وصلنا فيها إلى حد التُّخمة.
قضايا الأدب الأمازيغيّ
حول مسرح موحيا
أهم ما جعل لغة 'موحيا' صامدة هي بساطتها.. كان يتحدث عن الاشتراكية والعبثية بلغة قبائلية يفهمها أي مواطن بسيط في القرية
كرست جزءاً من جهدك لتحليل أعمال 'موحيا'، من وجهة نظر لسانية، ما الذي يجعل لغة موحيا قوية وصامدة؟ وهل كان 'موحيا' يمارس السياسة بالكلمات دون أن يدرك؟
الأستاذ فرحات: عبد الله موحيا مسرحيّ وأديب فذ قَلّ من كان مثله في المجال الأمازيغيّ، ساعد موحيا الكثير من الفنانين في الأمازيغيّة بأشعاره أمثال تاكفريناس، إذفلاون... وترجم الكثير من النّصوص من الثّقافات العالميّة إلى اللّغة الأمازيغيّة، أَعتبرُ أنّ أهم شيء جعل لغة موحيا قوية صامدة كما قلتم هي بساطتها، كان يتكلم عن الاشتراكيّة والعبثيّة وحقوق العمال... بلغة قبائليّة بسيطة جدا تشبه لغة أي مواطن بسيط في أيّة قرية من قرى منطقة القبائل، وهذا أحسبه من أصعب ما يمكن أن يُنجزه مُترجِم من لغة إلى أخرى، أما فيما يخص ممارسة السّياسة، فأعتقد أنّ موحيا -فيما أعرفه عنه- لم يكن أبدا منخرطا في الأحزاب السّياسيّة لكنّه كان مناضلا صريحا من أجل الاعتراف باللّغة الأمازيغيّة، كما أنّه كان ناقدا دقيقا للأوضاع الاجتماعيّة التي كان يعيشها النّاس في زمانه.
أستاذ بلولي، لقد بحثت في مسرحية 'الجرة' لموحيا. موحيا لم يترجم النصوص فحسب، بل قام بعملية 'تبيئة' (Adaptation) لتبدو وكأنها ولدت في جبال جرجرة، هل تعتقد أن نجاح موحيا في 'تمزيغ' المسرح العالمي كان رداً لسانياً على من يدعون أن الأمازيغية لا تصلح إلا للتراث الشعبي؟
الأستاذ فرحات: فعلا سؤال وجيه لكن لا يمكنني الرّد عليه بشكل قطعيّ لأنّ الإجابة القطعية عند موحيا نفسه، أما فيما يخصني أعتبر أنّ موحيا استطاع أن يُدخل الثّقافة العالميّة إلى اللّغة الأمازيغيّة بنجاح كبير، وقد أثبت طبعا أنّ الأمازيغيّة يمكنها أن تستوعب الكثير من الفنون وأن تكون لغة الأدب الرّاقي وليس كما يقال في زمانه أنّها لهجة لا تصلح إلا للكلام الحميميّ.
استخدمت نظرية 'قرايس' (Grice) في تحليل الخطاب؛ هل المسكوت عنه في مسرح موحيا كان أداة لقول ما لا يستطيع المجتمع قوله صراحة؟ وهل لا نزال اليوم في منطقتنا نحتاج إلى 'الاستلزام الحواري' لنعبر عن هويتنا خوفاً من الصدام المباشر؟
الأستاذ فرحات: يُعد المسكوت عنه من أبرز الظّواهر اللّغويّة الموجودة في كلّ المجتمعات، وفي ترجمات موحيا لم يقتصر الاستلزام الحواريّ على قضايا الهوية فقط بل مس الكثير من الظّواهر الاجتماعيّة لا سيما البُخل وجشع أصحاب العمل... وبالتّالي المسألة في النّصوص التي ترجمها موحيا تتعدى قضية الهوية إلى قضايا أخرى، لكن الجوهر هو طبعا ترقية استعمال الأمازيغيّة باعتبارها لغة أهل البلد.
موحيا أثبت أن الأمازيغية يمكنها استيعاب أرقى الفنون العالمية، وليست مجرد لهجة للكلام الحميمي
التداولية تدرس كيف نفهم الكلام بناءً على السياق، في منطقتنا (بويرة، مشدالة، الشرفة)، يقال إن الإنسان المحلي يمتلك 'ذكاءً لغوياً' خارقاً في استخدام التورية والكناية، هل ترى أن هذا ناتج عن تعدد اللغات لديه؟ وهل 'الازدواجية اللغوية' التي يعيشها الجزائري هي سبب في إبداعه أم في تشتته الذهني؟
الأستاذ فرحات: لابدا من التّأكيد أنّ التّورية وكلّ الأساليب الضّمنيّة في استعمال اللّغة موجودة في المجتمعات التي تُعطي قيمة للكلمة، وهو ما يعيشه المجتمع القبائليّ عموما وسكان منطقتنا خصوصا، أما سببه فلا أرى أنّ التّعدد اللّغويّ هو سببه بل هو انتشار الممنوعات أو الطابوهات في مجتمعاتنا التي مازلت بعيدة عن التّفتح رغم شبه التّقدم الذي يبدو لنا عموما، في حين أنّ كلّ القضايا الأساسيّة مازالت في دائرة الممنوعات.
الأساليب الضمنية في استعمال اللغة (التورية والكناية) تزدهر في المجتمعات التي تعطي قيمة للكلمة
أما فيما يتعلق بالازدواجيّة اللّغويّة وأحيانا التّعدد اللّغويّ وأثرهما على المجتمع الجزائريّ فأثرهما واضح في المجتمع الجزائريّ، لكن هل ذلك إبداع أم لا فهنا يطرح التّساؤل؟ فيما يخصني أعترف أنّ تقييمي سالب في هذا الشّأن، فلنلاحظ كتابنا رغم عددهم الكبير لم يصلوا إلى يومنا هذا إلى كُبريات الجوائز كنوبل للآداب... بل حتى الفائزون منهم ببعض الجوائز العربيّة أو حتى الغربيّة ليسوا في صدارة الكتاب بتلك اللّغات، وهذا ما يطرح إشكالية مدى استفادتنا من الازدواجية فرنسية/عربيّة خاصة، وحتى مجال التّرجمة مازال باهتا عندنا حسب كلّ الإحصائيات الموجودة.
الترجمة من الأمازيغيّة إلى العربيّة
أستاذ فرحات، قمت بترجمة أول رواية من الأمازيغية للعربية. هل كنت تحاول إثبات أن الأمازيغية 'لغة مُصّدِرة' للأدب وليست لغة استهلاك فقط؟ وكيف استقبل القارئ المعرب أدباً جاءه من بيئة 'قبائلية' بحتة؟
الأستاذ فرحات: تشرفتُ فعلا بترجمة أوّل رواية من الأمازيغيّة إلى العربيّة وكان ذلك سنة 2012 ، والحقيقة أنّي تكلمتُ في موضوع سؤالك سابقا في مُداخلة لي في أحد الملتقيات، سأحاول هنا فقط أن أُقدم حوصلة لما وضعته في تلك المداخلة العلميّة، فمن خلال تلك التّرجمة حاولت أن أُعرف بأدبنا الأمازيغيّ للقارئ العربيّ لأنّه في تلك الفترة لا يعرف عنه شيئا، وسأحدثك هنا لأوّل مرة عن بعض ملابسات قراري بترجمة هذه الرّواية، فالقرار في الفاصل اتخذته بعدما عرفت الكثير من الأصدقاء في ميدان الأدب العربيّ، لا سيما عندما كنت في جامعة سكيكدة، فلاحظت أنّهم يعرفون روائيين من كلّ الأجناس والأعراق بما فيها البعيدة جدا كالشّيلي وروسيا... ولا يعرفون روائيا واحدا باللّغة الأمازيغيّة بل الكثير من هؤلاء الأساتذة مازالوا يعتبرون الأمازيغيّة لغة شفوية ليس لديها كُتب، من تلك اللّحظة قررت أن أُترجم رواية للتّعريف بالأدب الأمازيغيّ المكتوب وهو أدب في المستوى، وبعد وقت قصير انصب اختياري على رواية "سالاس ونوجة" ثم اتصلت بصاحبها وهكذا حتى نُشر العمل، فالهدف الأوّل كان كما قلت لك هو التّعريف بأدبنا المكتوب لكن هذا الهدف تَعَالَق مع أهداف أخرى كانت موجودة أيضا في مخيلتي قبل وأثناء التّرجمة وبعدها منها المساهمة في تقريب الثّقافتين واللّغتين، وبالتّالي المساهمة في ترسيخ التّقارب بين الجزائريين وتنمية الوحدة الوطنيّة...
مجتمعاتنا ما زالت بعيدة عن التفتح، وكل قضايانا الأساسية لا تزال تقع في دائرة الممنوعات أو الطابوهات
فيما يخص استقبال هذه التّرجمة في الأوساط المُعربة، أعترف أنّ الأمر لم يكن عاديا في البداية فلاحظت أنّ موضوع نشرها لم تهتم به الجرائد المُعربة ولم يُنشر عنها إلا مقال واحد في جريدة جزائريّة، لكن بعد سنوات بدأ الاكتشاف يأتي بثمرته، فتحدثت عن هذه التّرجمة العديد من الجهات وبدأ يشيع خبرها، وقد خُصصت لها بعض المذكرات في الجامعة وهو ما يُشجع طبعا، لكن أؤكد أنّ فعل التّرجمة ليس فعلا ذا وزن في الفضاء العام في منطقتنا؛ لذلك عدد التّرجمات قليل جدا وأثرها باهت كثيرا.
التّأليف بالأمازيغيّة
كانت لك مجموعة من المؤلفات باللّغة الأمازيغيّة، هل يمكن أن تحدثنا عنها؟
الأستاذ فرحات: نشرتُ لحد الآن ثلاثة (03) كتب باللّغة الأمازيغيّة كلّها في مجال الأدب، وبالضّبط في مجال القصة القصيرة والقصيرة جدا، ولا بأس أن أُركز ههنا على عملي في القصة القصيرة جدا لجدّة هذا المجال في الأمازيغيّة، ولأنّ كتابين من الثّلاثة في مجال القصيرة جدا، والكتابين هما (59 n tmannawin- 59 نادرة) الذي نشرته إليكترونيا سنة 2022 وهو متاح الآن على الأنترنيت، أما الثّاني فهو (Adlis yif azal-is-الكتاب أفضل من قيمته المالية) وهو الذي نشرته ورقيا سنة 2024، علما أنّ هذين العملين هما أوّل ما نُشر في اللّغة الأمازيغيّة في مجال القصة القصيرة جدا، وهو الأمر الذي شجعني على التّوجه إلى مثل هذا الفن، فلغتنا الأمازيغيّة تستحق أن يكون لها قصص قصيرة جدا كما هو الحال في أغلب اللّغات المكتوبة، إضافة إلى ذلك قدرتُ أنّ الجيل الحالي بحكم نقص التّركيز على الكتاب يحتاج إلى أدب مُكثَّف وقصير لكي يبقى على اتصال بالأدب ويتجاوز استثقال الكم، وأحسب أنّ مثل هذا الجنس الأدبيّ وإن كان غير معروف حاليا في الأمازيغيّة لكنه سيجد مساره في المستقبل، وقد ينتشر ربما أكثر من الأجناس الأدبيّة الأخرى.
شاركتَ في عمل حول الفنان صالح سعداوي، حدثنا عن هذا العمل؟
الأستاذ فرحات: فعلا، كان لي أن نسقتُ هذا العمل الذي كان في أصله يوما دراسيّا نظمناه في الجامعة ثم جمعتُ بعض مداخلات الزّملاء المشاركين -مع مداخلتي طبعا-، ونسقتُ كلّ العمل ونشرناه على شكل كتاب وهو متاح على الأنترنيت، وقد انصب اهتمامي على هذه الشّخصية الفنيّة لما قدمته للثّقافة الجزائرية من إبداع وأصالة؛ علما أنّ صالح سعداوي إضافة إلى مشاركته في الثّورة الجزائريّة غنى باللّغات الثّلاث أي أنّه متعدد اللّغات، كما لعب وكتب المسرح أيضا وترك ميراثا مهما يستحق الدّراسة، نتمنى أنّنا وَفَيْنا ولو بقليل ذكرى هذا المبدعّ، علما أنّ هذا الكتاب أوّل عمل من هذا المستوى يُكرَّس لهذه الشّخصية الفنيّة وهو دعوة لضرورة تأريخ مسارها والاهتمام بها.
شرفة ميديا
هل يعتقد البروفيسور بلولي أن لغة الشارع الجزائري (العرنسية) تهدد هويتنا؟ ولماذا يرى في لغة الملاعب نموذجاً للتحرر اللساني؟ انتظروا الجزء الثاني قريبا على شرفة ميديا!
الجزء الثاني من الحوار(يمكنك النقر هنا للقراءة الحوار)
الجزء الثالث والأخير من الحوار انقر هنا
🍰 Gâteaux de Zōüzā
👩🍳 وجهتكم الأولى للحلويات الراقية لمناسباتكم السعيدة 💍🎂 تشكيلة مميزة من الحلويات التقليدية والعصرية مع خدمة منزلية ونظافة عالية.
🥐 ميني مملحات مبتكرة
🥧 تارتولات مالحة وحلوة حسب الطلب
📍 شرفة - البويرة
🚚 التوصيل متوفر
.jpg)
