![]() |
| وزير الصناعة السابق علي عون |
الجزائر – خاص شرفة ميديا
في خطوة وصفت بأنها رسالة حازمة ضمن استراتيجية الدولة الجزائرية الرامية إلى تطهير المؤسسات الاقتصادية العمومية من ممارسات الفساد، أصدر القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد أحكاماً قضائية ثقيلة في ملف مجمع "إيميتال" للصناعات المعدنية والحديدية. أسدل الستار على محاكمة ماراطونية استمرت لأسابيع، كشفت عن "شبكة مصالح" تغلغلت داخل مفاصل المجمع الاستراتيجي لسنوات.
تشابك المصالح والفساد الإداري
لم تكن قضية "إيميتال" مجرد مخالفة إدارية عابرة، بل كانت، وفقاً لمرافعات النيابة ووثائق التحقيق، عملية ممنهجة لـ "استنزاف" المال العام، تمحورت التهم حول صفقات مشبوهة لبيع وتصدير "خردة الحديد" وبقايا النحاس، وهي مواد تعتبر شريان حياة لمصانع الصلب مثل "مركب الحجار".
كشفت التحقيقات أن المتهمين عمدوا إلى التلاعب بأسعار المواد المبيعة، وتسهيل استيلاء شركات خاصة على هذه الموارد بأسعار زهيدة جداً مقارنة بسعر السوق الحقيقي، وهو ما منح تلك الشركات "مزايـا غير مستحقة" على حساب الخزينة العمومية ومصالح المجمع العمومي.
رؤوس كبيرة في قفص الاتهام
استقطبت المحاكمة اهتمام الرأي العام بالنظر إلى طبيعة الأسماء التي شملتها الإدانات، فقد سلط الحكم الضوء على تورط مستويات عليا في هرم الدولة والقطاع الاقتصادي:
الوزير السابق للصناعة، علي عون، الذي أدين بـ 5 سنوات حبساً نافذاً، حيث واجه تهماً تتعلق باستغلال الوظيفة.
نجل الوزير، الذي تلقى عقوبة 6 سنوات حبساً نافذاً، في إشارة إلى دور الوساطة التي لعبها في تسهيل صفقات مشبوهة.
رجال أعمال ومسؤولون تنفيذيون، على غرار "نونو مانيطا" (عبد المولى عبد النور) الذي حظي بأثقل حكم (10 سنوات)، ورؤساء مديرين عامين لمؤسسات تابعة للمجمع.
فلسفة البراءة: دقة القضاء
على الجانب الآخر، سجلت المحكمة حالة من التوازن القضائي بصدور أحكام بالبراءة في حق عدة شخصيات كانت محل متابعة، وفي مقدمتهم شرف الدين عمارة، هذه الأحكام أثارت نقاشاً قانونياً حول أهمية الفصل بين "المسؤولية الإدارية" و"الجريمة الجنائية"، حيث اعتبر المراقبون أن خلو الملف من أدلة دامغة ضد هؤلاء المتهمين هو دليل على "مأسسة القضاء" وتكريس مبدأ أن الإدانة لا تبنى إلا على قرائن مادية قاطعة.
ما بعد "إيميتال": تداعيات اقتصادية وسياسية
لا تنتهي القضية عند صدور الأحكام، بل تفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل المجمعات الصناعية العمومية في الجزائر، يرى خبراء اقتصاديون أن هذه الأحكام تمثل "عملية جراحية" ضرورية لإنقاذ المؤسسات التي كانت تُدار بعقلية الريع والمحسوبية.
إن معاقبة المسؤولين عن تبديد المال العام في "إيميتال" تبعث بإشارة واضحة للفاعلين الاقتصاديين والمسؤولين العموميين بأن "زمن الحصانة" قد ولى، وأن التسيير بالمنطق الشخصي أو العائلي في المؤسسات العمومية سيواجه بمطرقة القضاء مهما علا منصب المتورط.
بإصدار هذه الأحكام، تطوي المحكمة صفحة مؤلمة من تاريخ مجمع كان من المفترض أن يكون قاطرة الصناعة الوطنية، وبينما يترقب الرأي العام تنفيذ بقية الإجراءات القانونية، يبقى التحدي الأكبر للحكومة هو كيفية إصلاح منظومة التسيير داخل هذه المجمعات لضمان عدم تكرار مثل هذه "السيناريوهات" التي أثقلت كاهل الاقتصاد الوطني لسنوات طويلة.
هل ترى أن هذه الأحكام ستكون كافية لردع الممارسات المشابهة في قطاعات اقتصادية أخرى، أم أن هناك حاجة لإصلاحات إدارية أعمق في طرق التسيير؟
.jpg)
