![]() |
| تسلم شهادة التكوين من الدكتور عوني قنديل سنة 2020 بمصر |
المحاور: ڤاسي جيلالي
لم تكن الرحلة إلى مصر سنة 2020 مجرد دورة تدريبية عابرة في مسيرتي، بل كانت لحظة فارقة أدركت فيها أن الصحافة أبعد بكثير من مجرد نقلٍ للخبر، في تلك الأيام، كان الدكتور عوني قنديل هو البوصلة التي وجهت طموحنا نحو الاحترافية والعمق.
اليوم، وبعد سنوات من العمل الميداني المستمر، يسعدني في 'Chorfa Média' أن أعود لأطرق أبواب الحكمة من جديد، في حوارٍ استثنائي يجمعني بأستاذي الدكتور/ عوني قنديل أستاذ الفكر الإعلامي العسكري وإدارة الصراع المعلوماتي ، رئيس اتحاد الإعلاميين الأفارقة، في هذه المساحة، لا نسأل كمتدربين، بل كزملاء يسعون لفهم تحولات 'مهنة المتاعب' في عالمٍ يغتصّه الذكاء الرقمي، دعونا نغوص في إجاباتٍ ليست ككل الإجابات، لرجلٍ علّمنا أن الإعلامي الحقيقي هو من يصنع المعنى، لا من يكتفي بصناعة الضجيج."
بدايةً، اسمحوا لي أن أعرب عن بالغ اعتزازي وفخري بلقاء قامة إعلامية بحجم الأستاذ الدكتور عوني قنديل.
أستاذي الفاضل، إن قبولكم دعوتنا لإجراء هذا الحوار ليس مجرد تشريف لمنصة 'Chorfa Média'، بل هو استمرار لرسالتكم السامية في دعم الشباب ونقل خبراتكم التي أضاءت طريق الكثير من الإعلاميين.
أرحب بكم أجمل ترحيب، شاكرين لكم رحابة صدركم ومشاركتنا هذا الوقت الثمين الذي نثق تماماً بأنه سيشكل إضافة نوعية لكل قارئ.
الضيف: ابني العزيز، يسعدني جداً أن أرى فيك هذا الشغف المهني وتلك المبادرة الواعية عبر منصة 'Chorfa Média'، إن الحوار مع تلميذ بالأمس، وإعلامي فاعل اليوم، هو جزء من رسالتي التي أعتز بها.
أشكركم على هذه الدعوة الكريمة، وأنا بصدد الحديث معكم حول كل ما يخدم مهنة الإعلام ويضيء الطريق أمام الشباب الطموح، تفضل بسؤالك الأول.
أستاذي الفاضل، لقد مرت فترة على تدريبي في مصر تحت إشرافكم، وتلك الأيام السبعة لا تزال مرجعاً مهنياً لي في كل خطوة أخطوها, كيف تنظرون اليوم، كأكاديمي وخبير مخضرم، إلى تطور طلابكم بعد سنوات من التخرج؟ وهل كنت تتوقع حينها أن تلك المبادئ ستُترجم اليوم إلى منصة إعلامية رقمية في الجزائر؟"
الضيف: حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام التدريبية في مصر، أجد أن ما كان يبدو “برنامجاً تدريبياً مكثفاً” لم يكن في حقيقته إلا لحظة تأسيس إنساني ومهني في آن واحد، كنت أرى في أعين المتدربين ليس مجرد رغبة في التعلم، بل عطشاً لصناعة ذات إعلامية مختلفة، أكثر وعياً ومسؤولية.
اليوم، وبعد سنوات، أتابع بكل فخر كيف تحولت تلك البذور إلى تجارب إعلامية حقيقية، بعضها أصبح منصات رقمية فاعلة في الجزائر وغيرها من الدول العربية والإفريقية، نعم، كنت أتوقع التطور، لكن ما لم أكن أستطيع تحديده هو هذا العمق في التحول: من متدرب يكتسب المهارة، إلى إعلامي يصنع خطاباً ويؤثر في الرأي العام.
هذا هو جوهر التدريب الحقيقي: ليس نقل معرفة، بل صناعة أثر يستمر ويتكاثر عبر الزمن.
نلاحظ اليوم ميلاً لدى جيل الشباب للعمل الميداني السريع دون خلفية أكاديمية متينة. بصفتكم عميداً لمعهد تدريب الإعلاميين، كيف تقنعون شاباً بضرورة 'التكوين العلمي' بجانب 'الممارسة الميدانية'؟ وما الذي يضيفه هذا التكوين للصحفي ليتمكن من الصمود في وجه التحديات؟
الضيف: المشكلة اليوم ليست في وجود الحماس لدى الشباب، بل في غياب “العمق المعرفي” الذي يوجه هذا الحماس، العمل الميداني مهم، لكنه بدون قاعدة علمية يتحول إلى ممارسة سطحية سريعة الاستهلاك.
أنا أقول دائماً: الصحفي الذي لا يمتلك تكويناً علمياً يشبه من يقود سيارة سباق دون خريطة ولا أدوات قراءة للطريق. قد يندفع بسرعة، لكنه معرض للانحراف عند أول منعطف.
التكوين العلمي يمنح الصحفي ثلاث قيم أساسية:
القدرة على التحليل وليس فقط النقل.
فهم السياق وليس فقط الحدث.
امتلاك أدوات نقد الخبر وليس مجرد إنتاجه.
في زمن التضليل الإعلامي، يصبح التكوين العلمي هو خط الدفاع الأول عن الصحفي نفسه وعن المجتمع الذي يخدمه.
في ظل المتغيرات الرقمية السريعة التي نعيشها في عام 2026، ما هي المهارة أو 'الأداة' التي تعتبرونها اليوم 'كلمة السر' لنجاح الصحفي الشاب في السوق الإعلامي العربي والإفريقي؟"
الضيف: في عام 2026، لم يعد السؤال: ماذا تعرف؟ بل أصبح: كيف توظف ما تعرفه داخل منظومة رقمية متحركة؟
“كلمة السر” اليوم هي: الذكاء الإعلامي الرقمي (Digital Media Intelligence)، والذي يقوم على ثلاثة محاور:
فهم خوارزميات المنصات وكيف تُصنع الرؤية الجماهيرية.
القدرة على تحليل البيانات الإعلامية وتحويلها إلى قصص.
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي دون فقدان البصمة الإنسانية للصحفي.
الصحفي الناجح اليوم ليس من يكتب فقط، بل من يفهم كيف ينتشر ما يكتب، ولماذا ينتشر، ولمن يصل.
كثير من متابعِيّ في منطقتي البويرة و الجزائر عامة يطمحون للدخول في عالم الصحافة والإعلام، ما هي الكلمة التي توجهونها لهم لكي يخطوا أولى خطواتهم في طريق التكوين والاحتراف؟ وكيف يمكنهم التغلب على عقبات البدايات؟
الضيف: إلى شباب البويرة و الجزائر عامة و كل شاب عربي وإفريقي يحلم بدخول عالم الصحافة: لا تنتظروا “الفرصة المثالية”، بل اصنعوا بدايتكم بأنفسكم.
الصحافة لم تعد تُمنح، بل تُكتسب بالمثابرة والتجربة والتعلم المستمر، لا تخافوا من البدايات البسيطة، فكل إعلامي كبير بدأ من نقطة صغيرة، لكن الفرق كان في الاستمرار لا في البداية.
تغلبوا على العقبات عبر ثلاثية بسيطة:
القراءة اليومية.
التدريب المستمر حتى لو كان ذاتياً.
عدم الخوف من الخطأ، بل التعلم منه.
الإعلام ليس مهنة سهلة، لكنه من أكثر المهن قدرة على صناعة المعنى في الحياة.
بصفتكم رئيساً لاتحاد الإعلاميين الأفارقة وعميداً للمعهد، تصلني الكثير من الاستفسارات من متابعِيّ حول وجود دورات أو تكوينات مبرمجة في المستقبل القريب، كيف يمكن للصحفيين الشباب من الجزائر -أو من أي مكان- متابعة هذه الفرص، وما هي الشروط أو الخطوات العملية التي يجب عليهم اتباعها للمشاركة في تكويناتكم؟
الضيف: نحن في معهد تدريب الإعلاميين الأفارقة نؤمن أن التدريب ليس حدثاً موسمياً، بل منظومة مستمرة.
لذلك نعلن دائماً عن برامجنا عبر القنوات الرسمية للمعهد، ومواقع التواصل الخاصة به، بالإضافة إلى الشراكات الإعلامية داخل إفريقيا والعالم العربي.
المشاركة لا تتطلب سوى:
الرغبة الحقيقية في التعلم.
خلفية أو اهتمام بالإعلام أو الاتصال.
الالتزام بمتطلبات البرنامج التدريبي.
ونحن نفتح الباب دائماً أمام الشباب من مختلف الدول، لأننا نؤمن أن الإعلام الحقيقي لا يعرف الحدود الجغرافية، بل يعرف الكفاءة والطموح فقط.
بصفتكم رئيساً لاتحاد الإعلاميين الأفارقة، هل هناك رسالة خاصة تودون توجيهها للزملاء الإعلاميين في الجزائر، وتحديداً لمن يحاولون بناء تجارب إعلامية محلية ومستقلة مثل 'Chorfa Média'؟
الضيف: إلى زملائي الإعلاميين في الجزائر، وإلى كل من يحاول بناء تجربة إعلامية مستقلة مثل “Chorfa Média”:
أنتم لا تصنعون مجرد منصات إعلامية، بل تصنعون مساحات للمعنى في زمن ازدحام الضجيج، الاستقلال الإعلامي ليس شعاراً، بل مسؤولية أخلاقية ومهنية تتطلب شجاعة في الطرح، ودقة في المعلومة، وصدقاً في النية.
رسالتي لكم: لا تتنازلوا عن مهنيتكم تحت ضغط السرعة، ولا عن استقلالكم تحت ضغط الإغراء، فالإعلام الذي يفقد بوصلته المهنية، يفقد قيمته مهما كان انتشاره.
واستمروا، لأن المستقبل الإعلامي في منطقتنا لن يُمنح، بل سيُصنع بأيديكم.
في ختام هذا الحوار، لا يسعنا إلا أن نجدد الشكر والتقدير للأستاذ الدكتور عوني قنديل على هذه الإضاءات العميقة التي لم تكن مجرد إجابات، بل كانت خارطة طريق حقيقية لكل طامحٍ في عالم الإعلام، لقد لمسنا في إجاباتكم مزيجاً نادراً بين صرامة الفكر الأكاديمي ودفء الرؤية الإنسانية.
دكتورنا الفاضل، إن كلماتكم اليوم في 'Chorfa Média' ستظل مرجعاً ملهماً لنا ولجمهورنا، وستكون دافعاً إضافياً لنستمر في أداء رسالتنا المهنية بكل أمانة ومسؤولية. شكراً لأنكم كنتم، ولا تزالون، جزءاً لا يتجزأ من مسيرتنا.
إلى متابعينا الأعزاء، نتمنى أن يكون هذا الحوار قد أجاب عن تساؤلاتكم، وأضاف إلى معرفتكم، لا تترددوا في مشاركتنا انطباعاتكم حول أكثر نقطة أثارت اهتمامكم في هذا اللقاء، فالتفاعل هو ما يمنحنا الوقود للاستمرار.
إلى لقاءٍ قريب، مع قامةٍ أخرى من قامات الإعلام والمعرفة.
.jpg)
