![]() |
| صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي |
بقلم: فريق تحرير
ڤاسي جيلالي
من واقع تجربتي الشخصية، كجزائري يراقب تفاصيل الشأن العام في بلده الأم، ويعايش في الوقت ذاته ممارسات الديمقراطية والحوكمة في كندا التي أقيم فيها حالياً؛ وجدت نفسي أمام تباين صارخ يستوجب التوقف عنده. هذه المقارنة ليست وليدة الصدفة، بل هي محصلة لمشاهدات يومية في بيئتين مختلفتين تماماً في تعاملهما مع مفهوم "المسؤولية"، إن ما أطرحه هنا هو محاولة لفهم الفجوة العميقة بين "ثقافة المحاسبة" التي تضمن استقامة المسؤول في كندا، وبين "ظاهرة التكرار" التي نراها في الجزائر، حيث يبدو أن صندوق الاقتراع لا يزال يمنح -في حالات كثيرة- صكوك غفران لمن لا يستحق.
ثقافة المحاسبة: عندما تصبح الاستقالة فعلاً بطولياً
في دول مثل كندا، لا تُعد الانتخابات مجرد "موسم لتجديد الوجوه"، بل هي محطة مفصلية في عقد اجتماعي صارم بين الحاكم والمحكوم، هنا، المسؤول ليس "سلطة" بل "خادم للشأن العام"، وخضوعه للمحاسبة يبدأ من اليوم الأول لتوليه المنصب.
الوعي الشعبي هنا لا ينتظر دورة انتخابية قادمة؛ فالصحافة، ومنصات التواصل، والاحتجاجات المدنية، تشكل رقابة يومية، إن أبسط خطأ مهني أو تصريح غير مدروس قد يكلف المسؤول مستقبله السياسي، وفي كثير من الحالات، يقدم المسؤولون استقالات جماعية أو فردية قبل نهاية عهدتهم، حفاظاً على كرامتهم السياسية ولأنهم يدركون أن "أوراقهم قد حُرقت" لدى الناخب، مما يعني أنهم لن يجدوا مكاناً لهم في المشهد مستقبلاً.
ظاهرة "التكرار": أزمة الوعي أم أزمة البيئة السياسية؟
في المقابل، يجد المواطن الجزائري نفسه أمام مشهد مغاير تماماً، قد نرى مسؤولاً أخفق في تسيير ملفات حيوية، أو ثبت تقصيره المهني، ومع ذلك، يترشح في الدورة الموالية ليجد دعماً لا يستهان به.
هل يعني هذا أن الشعب "غير واعٍ"؟ الإجابة ليست بهذه البساطة. فالمشكلة غالباً ما تكون في البيئة التي تُدار فيها اللعبة:
الزبائنية السياسية: عندما تتحول العلاقة بين الناخب والمنتخب إلى "مصالح ضيقة" أو "خدمات شخصية"، يصبح الفوز الانتخابي مرتبطاً بمدى قدرة المسؤول على تلبية تلك الحاجات، لا بمدى كفاءته في تسيير الشأن العام.
غياب البديل: حين يشعر الناخب أن المشهد السياسي مكرر، يلجأ إلى التصويت للمألوف أو "الخيار الأقل سوءاً"، مما يكرس بقاء الوجوه القديمة.
انعدام آلية الضغط: في غياب أدوات المحاسبة الحقيقية، يفقد الناخب إيمانه بأن صوته قد يحدث تغييراً، فيتحول الاقتراع لديه إلى فعل روتيني، بدلاً من كونه أداة لتعديل المسار الوطني.
نحو عقد اجتماعي جديد
إن المقارنة بين كندا والجزائر ليست جلداً للذات، بل دعوة للتأمل، الوعي الشعبي لا يولد من فراغ، بل يصنعه إيمان المواطن بأن صوته "سلاح" وليس مجرد رقم، المسؤول لا يصحو من تلقاء نفسه ليصبح "خادماً للشأن العام"، بل يفرض عليه الشعب ذلك عندما يدرك أن الحساب سيكون عسيراً في الصندوق الانتخابي.
إن التغيير الحقيقي في الجزائر لن يبدأ فقط من تغيير الوجوه، بل من تغيير "ثقافة الانتخاب"، عندما يدرك كل منتخب أن كفاءته هي رأس ماله الوحيد، وأن خطأه هو نهاية مشواره، حينها فقط سنشهد تحولاً جذرياً في التسيير الإداري والسياسي.
بعيداً عن التنظير، يبقى السؤال الأهم: كيف نحول هذا الوعي إلى ممارسة واقعية داخل المجتمع الجزائري؟ إن الرقابة لا تبدأ من صناديق الاقتراع فحسب، بل تبدأ من الممارسة اليومية:
توثيق الأداء: لا تكتفِ بانتقاد المسؤول في المقاهي أو المجالس الخاصة، ابدأ بتوثيق الوعود والنتائج، إن منصات الإعلام المحلي، مثل "شرفة ميديا"، تُعد منبراً للمواطن لتوثيق تقصير المسؤولين ونشر الحقائق بالأدلة، مما يصعب عليهم "التنصل" من مسؤولياتهم لاحقاً.
ثقافة "المحاسبة بالصوت": يجب أن نكسر حاجز الخوف أو الخجل من عدم انتخاب الشخص الذي "نجمّله" اجتماعياً، الانتخاب ليس صلة رحم، بل هو وظيفة عامة؛ فإذا لم يكن الشخص كفؤاً، فالتصويت له هو مشاركة في تكريس الفشل.
المطالبة بالشفافية: لا تقبل بإجابات مبهمة من المجالس المنتخبة، طالب بالاطلاع على ميزانيات المشاريع، وجداول الأعمال، والقرارات الإدارية، المسؤول الذي يدرك أن خلفه "عيوناً تراقب" و"عقولاً تحلل"، سيفكر ألف مرة قبل اتخاذ أي قرار غير مهني.
دعم الكفاءات الجديدة: إن احتكار المشهد من قبل "الوجوه المستهلكة" هو نتيجة عزوف الكفاءات الشابة عن الترشح، يجب أن نشجع الوجوه الجديدة، النزيهة، وذات المشاريع الواقعية، ونمنحها الثقة بدلاً من الرهان على "الخيار الأضمن" الذي أثبت فشله.
إن الديمقراطية ليست "هدية" تُمنح للشعوب، بل هي مكتسب يُنتزع بالمشاركة والرقابة المستمرة، في كندا أو في أي بقعة من العالم، لم يفرض المسؤولون الشفافية من تلقاء أنفسهم، بل فرضها وعي شعبي لم يقبل بأن يكون مجرد "رقم" في سجلات الانتخاب.
في النهاية، الانتخابات ليست مجرد ورقة نضعها في الصندوق؛ هي قرار نقبله أو نرفضه في مستقبلنا ومستقبل أجيالنا.
.jpg)
