بقلم ڤاسي جيلالي
في الأيام الأخيرة، شهدنا ضجيجاً كبيراً على منصات التواصل الاجتماعي حول مقال قديم للروائي أمين الزاوي، أعيد نشره وتدويره ليثير غباراً كثيفاً من التخوين والتقديس، ولكن، بعيداً عن محتوى المقال أو أيديولوجية الكاتب، هناك حقيقة واحدة "مخيفة" كشفتها هذه الجلبة، وهي أننا لا نعيش أزمة فكر، بل أزمة وعي ومعرفة.
،ندما يعيد كاتب أو موقع نشر نصٍ كُتب منذ سنوات (2018) في توقيت كهذا، فهم يراهنون على "ذكاء الجمهور" في القراءة.. لا، بل يراهنون على "كسل الجمهور" في البحث، لقد قُدّم مقال الزاوي كـ "طُعم" بجملة مثيرة: "يوماً ما، سيرحل الجميع، ولن يبقى سوى أبناء البداية!"، هذه الجملة ليست مجرد تعبير أدبي، بل هي "قنبلة" رقمية صُممت لجمهور لا يقرأ؛ جمهور يكتفي بالعنوان، ثم يندفع للغضب أو الدفاع بناءً على رد فعل عاطفي.
الأكثر إيلاماً ليس غضب العامة، بل انخراط من يسمون أنفسهم "مثقفين" في هذا الصراع، هل يعقل أن مثقفاً يدعي التنوير لا يعرف وجود هذا النص إلا عندما "تتكرم" صفحة فيسبوكية بنشره؟ إن هذا يؤكد أن الكثير ممن يرتدون رداء الثقافة هم في الحقيقة "مستهلكو ترند"، يسقطون في الفخ الذي ينصبه لهم الخوارزميات، ويتحولون إلى مجرد صدى لأصوات الغوغاء بدلاً من أن يكونوا بوصلة للفهم.
هذه الجلبة فضحت "نفاقنا" الجماعي، نحن شعب يدّعي الحرص على الهوية والدين والتاريخ، لكننا في الحقيقة لا نكلف أنفسنا عناء قراءة كتاب واحد أو مقال معمق، نحن نستثمر في "الاستفزاز"، المقال الذي يحتاج إلى قراءة هادئة، وتحليل سياق، ونقد موضوعي، تحول إلى ساحة لشتم وتخوين، لقد تحولنا إلى "أبناء لحظة الغضب"، نقتات على الفتات الرقمي بينما تغيب عنا المعرفة الحقيقية.
ما دام الشعب لا يقرأ، سيبقى "مغفلاً" يُحرَّك بالريموت كنترول من خلف الشاشات، المقال أثار الجلبة لأننا اخترنا أن نكون كذلك، لو كان هذا الشعب يقرأ، لقرأ النص، ونقده، أو تجاهله إذا كان لا يستحق، دون أن يحول "فايسبوك" إلى ساحة حرب.
إن الجلبة حول أمين الزاوي ليست صراعاً بين تيارين، بل هي "فضيحة معرفية" تضاف إلى رصيدنا من الهزائم الثقافية، العبرة ليست في ما كتبه الزاوي، بل في أننا -بكل بساطة- نبتلع الطُعم في كل مرة، لأننا نسينا أن القراءة هي الفعل الوحيد الذي يحررنا من "التغفيل".
.jpg)
