![]() |
| حبة كمون تكشف التاريخ |
بقلم: ڤاسي جيلالي
في مدينة مونتريال الكندية، حيث تذوب الحدود بين الثقافات، حدثت صدفة غريبة لم تكن في الحسبان، كنت جالساً في أحد المطاعم المغربية العريقة بالمدينة برفقة صديق من الإكوادور، وبينما كانت رائحة "الطاجين" والبهارات المغاربية تملأ المكان، وقعت أعيننا على "المملحة" ووعاء التوابل فوق الطاولة.
تحدثنا بعفوية عن المطبخ، وسألته: "ماذا تسمون الكمون في لغتكم؟"، توقعت اسماً غريباً تماماً، لكنه أجاب بكل ثقة: "Comino"، سكتُّ للحظة.. هل نطقها بالعربية؟ لا، لقد نطقها بلكنته اللاتينية الإكوادورية، وفي تلك اللحظة، وسط صخب مونتريال، شعرت بفخر تاريخي يجمعنا.
البحث عن الحقيقة: من "أكاد" إلى "كيتو"
لم أكتفِ بالدهشة، بل سحبت هاتفي فوراً وبدأت أبحث عن جذور هذه الكلمة لأشرحها لصديقي، اكتشفنا معاً أن كلمة "كمون" هي مسافر تاريخي عبر آلاف السنين:
الأصل السامي: بدأت الرحلة من اللغات السامية القديمة في بلاد ما بين النهرين، حيث كانت تسمى في الأكادية (بابل وآشور) "Kamūnu".
العبور إلى المتوسط: انتقلت منها إلى العبرية والسريانية ثم استقرت في العربية بصيغتها التي نعرفها اليوم.
إلى اللاتينية: وبسبب تجارة التوابل، أخذها اليونانيون وأسموها "Kyminon"، ثم اللاتينيون "Cuminum"، ومنها انتقلت إلى الإسبانية لتصبح "Comino".
شرحت لصديقي كيف أن هذه الكلمة قطعت آلاف الكيلومترات من حقول الشرق لتصل إلى جبال الأنديز في الإكوادور عبر سفن الأندلس، فكانت علامات الدهشة على وجهه لا توصف!
أكثر من مجرد توابل.. قاموس مشترك فوق الطاولة
لم تتوقف الدردشة عند الكمون، بل بدأنا نبحث عن "الهدايا" العربية الأخرى في لغتهم اللاتينية، واكتشفنا أنها تقريباً نفس اللغة بلكنات مختلفة!
أخبرني أنهم ينادون الأرز بـ "Arroz"، والسكر بـ "Azúcar"، والزيت بـ "Aceite"، وحتى القميص بـ "Camisa"، كان الأمر أشبه بفتح صندوق كنز لغوي؛ كلمات عربية أصيلة سافرت واستقرت في قارة أخرى، وظلت حية لمئات السنين.
حينما يضحك التاريخ
انتقلنا بعدها للحديث عن الأمثال الشعبية، وأخبرته أننا نستخدم الأشياء الصغيرة للتعبير عن عدم الاهتمام، فضحك وقال لي: "نحن أيضاً لدينا مثل شهير جداً وهو Me importa un comino (لا يهمني الأمر بمقدار حبة كمون)"، ضحكنا معاً حين أدركنا أننا نستخدم نفس "المنطق" ونفس "التابل" للتعبير عن نفس "الشعور"، رغم المسافات الشاسعة.
في ذلك المطعم المغربي، ومن خلال حبة كمون بسيطة، أدركت أن العالم ليس سوى قرية صغيرة جداً، مونتريال لم تكن مجرد مكان للقاء، بل كانت مسرحاً أثبت لنا أن "اللسان العربي" ترك بصمة لا تُمحى في لغات العالم، وأننا مهما تغربنا، سنبقى نجد مفردات عربية حية في أماكن وتفاصيل لم نكن نتوقعها.
المرة القادمة التي تجلس فيها مع صديق من ثقافة مختلفة، ابحث عن "الكمون" في حديثكما.. فربما تجد تاريخاً كاملاً يجمعكما فوق الطاولة.
.jpg)
