المصدر: الاستاذ بطاطاش نذير
إعادة الصياغة : شرفة ميديا
"اليد الواحدة لا تصفق".. هكذا تقول الحكمة التقليدية، لكن التاريخ الجزائري لديه رأي آخر، ففي قرية "تاوريرت" العتيقة بأمشداللة، وُلد رجلٌ أثبت أن الإرادة هي اليد التي لا تكل، وأن العجز ليس في الجسد، بل في الروح التي تستسلم، هو المجاهد عيسات بلخيشان، الرجل الذي لم تمنعه ذراعه الناقصة من أن يكون ذراعاً قويةً تستند إليها الثورة.
منذ ولادته في 18 ماي 1927، لم تكن حياة عيسات نزهة، نشأ في حضن والده "أرزقي" وأمه "يمينة"، لكن غياب الأب وراء لقمة العيش في المهجر، حوّل الطفل الصغير إلى "رجل الدار" قبل الأوان، بذكاء فطري وقدرة عجيبة على التدبير، أدار شؤون أسرته بحكمة الشيوخ، فتعلم كيف يصنع من القليل كثيراً، وكيف يكون سنداً لا عبئاً.
لم ينكسر عيسات حين فقد ذراعه في صغره، بل على العكس، شقّ الأرض بفأس الإصرار، وامتهن الفلاحة والتجارة ببراعة أذهلت الأصحاء، كان يرى في النقص دافعاً للابتكار، وفي الصعوبات مجرد حجارة يبني بها سُلم نجاحه.
عندما دقت ساعة الكفاح المسلح، لم يمنعه وضعه الجسدي من تلبية النداء، إذا كان أخوه "علي" قد اختار البندقية ونال الشهادة، فإن عيسات اختار معركة "العصب الحيوي".
لوجستيك الثورة: كان العقل المحرك للتموين؛ يؤمن السلاح، الدواء، والكساء.
هندسة الأمان: لم يكن مجرد ناقل للمؤن، بل كان "مهندس المخابئ"، يختار مواقع "الكازمات" بدقة عسكرية، ويبتكر أجهزة إنذار بدائية تصدر ضجيجاً لتنبيه المجاهدين قبل وصول العدو بمسافات.
لقد كان يثبت للجميع أن الحرب "خدعة وفكرة" قبل أن تكون رصاصة.
لم يسلم عيسات من بطش المستعمر؛ ذاق مرارة السجن والتعذيب مراراً، لكنه ظل كما عُرف: قليل الكلام، عميق الحكمة، كان صمته سلاحاً يُرهق الجلادين، ورصانته درعاً يحمي أسرار الثورة.
بعد بزوغ فجر الحرية، لم يلهث عيسات وراء المناصب أو الجاه، اكتفى بوظيفة بسيطة في دائرة البويرة، لكنه حولها إلى رسالة نبيلة.
كان مشهداً مؤثراً أن تراه يتنقل بنفسه إلى قرى "آث منصور" ليُسلم النساء وثائقهن الرسمية وجوازات سفرهن في بيوتهن، صوناً لكرامتهن وإعفاءً لهن من مشقة السفر، لقد كان يجاهد بقلبه بعد أن جاهد بفكره.
في 13 جويلية 2005، رحل عيسات بلخيشان بهدوء، تاركاً خلفه سيرة عطرة تقول لنا: إن القوة لا تُقاس بعدد الأطراف، بل بصدق النوايا، رحل الرجل الذي أثبت أن اليد الواحدة يمكنها أن تصفق بقوة.. إذا كانت تلك اليد هي "الإرادة".
.jpg)
