![]() |
| آكبر عملية تزوير بتاريخ كندا |
شرفة ميديا
بينما يسعى البعض لبناء ثرواتهم عبر الاستثمار أو العمل الشاق، قرر الكندي فرانك بوراسا سلوك طريق مغاير تماماً: صناعة المال بنفسه، لم يكن يطمح لتقليد العملة، بل كان يهدف لإنتاج نسخة "مطابقة" لا يمكن للعين المجردة، أو حتى بعض الأجهزة، كشفها.
بدأ بوراسا رحلته بدراسة فئة الـ 20 دولاراً تحديداً، لسبب ذكي؛ فهي منتشرة بما يكفي لعدم إثارة الشكوك، وليست كبيرة لدرجة تخضع لتدقيق أمني صارم عند إنفاقها.
الورق السري: اكتشف بوراسا أن سر الدولار ليس في الحبر بل في الورق، وهو مزيج من 75% قطن و25% كتان، تواصل مع مصانع ورق في أوروبا مدعياً أنه يمثل شركة استثمارية، حتى نجح في الحصول على الورق الخام بنفس المواصفات وبنفس "العلامة المائية" المطلوبة.
المعدات والحبر: استورد آلات طباعة أوفست متطورة وأحباراً كيميائية خاصة تتفاعل مع الضوء تماماً كالدولار الحقيقي، وقام بتركيبها في مستودع سري بمدينة "تروا ريفيير" في كيبك.
بمجرد اكتمال التجهيزات، بدأ بوراسا عملية الطباعة، أنتج ما يقارب 250 مليون دولار، كانت الجودة مذهلة لدرجة أن الخبراء لاحقاً وصفوها بأنها "أفضل تزوير في التاريخ الحديث"، بدأ ببيع هذه الأموال للعصابات الدولية مقابل 30 سنتاً لكل دولار مزور، محققاً أرباحاً طائلة من "الهواء".
في عام 2012، وبعد عملية مراقبة معقدة من قبل الشرطة الملكية الكندية بالتنسيق مع الاستخبارات الأمريكية، تم القبض على بوراسا، كان يواجه احتمال التسليم للولايات المتحدة، حيث تنتظره عقوبات قد تصل إلى السجن مدى الحياة.
أدرك أن السلطات تخشى دخول الـ 200 مليون دولار المتبقية لديه إلى السوق، لأن ذلك قد يزعزع استقرار العملة، عرض عليهم صفقة "هوليوودية":
"أعطيكم الـ 200 مليون دولار المخبأة، مقابل حريتي".
أمام خطر انتشار هذه الكمية الهائلة من العملة المزورة عالية الجودة، وافقت السلطات الكندية على الصفقة, والنتيجة كانت مذهلة:
مدة السجن: 6 أسابيع فقط (قضاها في كندا).
الغرامة: 1350 دولاراً كنديًا (بسبب حيازة مخدرات وقت المداهمة وليس التزوير!).
المصير: خرج فرانك بوراسا حراً طليقاً، ليتحول إلى "مستشار أمني" يظهر في المقابلات التلفزيونية ليحكي كيف هزم النظام.
رغم تسليمه للمبلغ الضخم، تشير العديد من التقارير الأمنية إلى أن ملايين الدولارات من "نسخ بوراسا" ما زالت تتداول في الأسواق العالمية حتى يومنا هذا، دون أن يدرك أصحابها أنها مجرد ورق طبعه شخص واحد في مستودع كندي.
فرانك بوراسا لم يزور المال فقط، بل زور نهاية قصته القانونية ليخرج منها الرابح الأكبر.
تفاصيل تقنية: كيف هزم فرانك بوراسا أنظمة التأمين؟
1. خدعة "الورق السويسري"
السر الأكبر في نجاح بوراسا لم يكن المطبعة، بل الورق. ورق العملة الأمريكية ليس ورقاً عادياً، بل هو مزيج "قماشي" من القطن والكتان يحتوي على ألياف حمراء وزرقاء مجهرية.
المناورة: تواصل بوراسا مع مصنع ورق في سويسرا، وأقنعهم بأنه يحتاج لورق بمواصفات أمنية عالية لطباعة "سندات مالية" لشركة في أنغولا.
النتيجة: وافق المصنع على شحن كميات ضخمة من الورق الذي يحتوي على العلامة المائية لرقم (20) وخيط الأمان المغناطيسي، وهي ميزات كان من المستحيل تزويرها يدوياً.
2. الحبر المتغير لونياً (Color-Shifting Ink)
استخدم بوراسا أحباراً باهظة الثمن تتغير من اللون النحاسي إلى الأخضر عند إمالة الورقة (وهي ميزة أمان أساسية في فئة الـ 20 دولاراً).
قام بشراء هذه الأحبار من موردين في آسيا عبر وسطاء، مما جعل العملة تجتاز اختبار "قلم كشف التزوير" الذي يعتمد على التفاعل الكيميائي مع نوع الورق، وتجتاز أيضاً الفحص البصري السريع.
3. "المطبخ" السري في كيبك
لم يكن يعمل في قبو مظلم، بل في سوليه (Soulié) بمقاطعة كيبك، داخل مستودع صناعي مجهز بـ:
آلات طباعة أوفست (Heidelberg): وهي آلات ألمانية عملاقة تزن أطنانًا، قادرة على الطباعة بدقة ميكرومترية.
نظام تجفيف كيميائي: لمنع الحبر من التلطخ وضمان ملمس "خشن" للعملة يشبه العملة الجديدة تماماً.
كواليس "الصفقة التاريخية" مع السلطات
عندما داهمت الشرطة موقعه، لم يجدوا الـ 200 مليون دولار. كانت مخبأة في صناديق بلاستيكية مدفونة تحت الأرض في مواقع سرية لا يعرفها أحد غيره.
المعضلة الأمنية: جهاز الخدمة السرية الأمريكي (Secret Service) كان في حالة ذعر؛ لأن هذه الأموال إذا تسربت للأسواق العالمية، ستقوض الثقة في الدولار، خاصة وأن أجهزة كشف التزوير في البنوك العادية كانت تعجز عن رصدها.
التفاوض: بوراسا لعب على وتر "المصلحة القومية". قال لهم ببساطة: "إما أن أسجن وتقضي هذه الأموال سنوات في تدمير اقتصادكم، أو أسلمكم الكنز وتتركوني أعود لحياتي".
ماذا يفعل فرانك بوراسا الآن؟
بعد خروجه من السجن في وقت قياسي، لم يعد بوراسا للتزوير، بل استغل شهرته بشكل قانوني:
الاستشارات الأمنية: أسس شركة للاستشارات الأمنية لم مساعدة الشركات والبنوك على حماية وثائقهم من التزوير.
برامج وثائقية: ظهر في العديد من البرامج (مثل وثائقيات Netflix و YouTube) ليشرح ثغرات النظام المالي.
التأليف: بدأ بكتابة مذكراته التي يصف فيها نفسه بأنه "أكبر مزور في التاريخ"، مؤكداً أن دافعه لم يكن المال فقط، بل التحدي الذهني لكسر نظام يعتبره الجميع "غير قابل للاختراق".
ملاحظة مثيرة: يقال إن بوراسا كان يطبع الأموال في ورديات عمل تستمر 16 ساعة يومياً، وكان يرتدي ملابس واقية كاملة حتى لا يترك أي أثر للحمض النووي (DNA) أو بصمات الأصابع على الأوراق النقدية قبل شحنها للموزعين!
.jpg)
