![]() |
| ملصقة الفيلم |
شرفة ميديا
يعود المخرج الإسباني أليخاندرو أمنيابار في فيلم «El Cautivo» إلى التاريخ المتوسطي في القرن السادس عشر، مستحضراً واحدة من أكثر الفترات غموضاً في حياة الكاتب الإسباني الشهير ميغيل دي سيرفنتس، حين وقع أسيراً في الجزائر سنة 1575 بعد أن اختطفته سفن قرصنة في طريق عودته إلى إسبانيا، الفيلم الذي عُرض سنة 2025 قبل أن يصل إلى منصة Netflix مطلع 2026، يقدّم معالجة درامية لفترة الأسر التي امتدت لسنوات وشكّلت لاحقاً أحد المنابع الخفية لتجربة سيرفنتس الأدبية.
يجسّد الممثل الشاب خوليو بينيا شخصية سيرفنتس في مرحلة مبكرة من حياته، قبل أن يصبح مؤلف «دون كيخوتي»، حيث يظهر في العمل كجندي سابق يحمل آثار الحروب والهزائم، ويجد نفسه فجأة في قلب مدينة الجزائر العثمانية، وسط عالم متعدد اللغات والثقافات والولاءات، ينقل الفيلم المشاهد إلى أزقة الجزائر في القرن السادس عشر، إلى السجون، والأسواق، وبيوت الحكم، مقدّماً رؤية بصرية مكثفة تحاول إعادة بناء تلك المرحلة التاريخية بديكورات ضخمة وتصوير سينمائي يعتمد على الإضاءة الطبيعية والفضاءات المغلقة لخلق إحساس دائم بالاختناق والترقب.
تتطور الأحداث حول صراع البقاء في بيئة الأسر، حيث ينتظر سيرفنتس دفع فدية مقابل إطلاق سراحه، بينما يحاول التكيف مع واقع جديد يختبر إيمانه وقيمه وطموحاته، في هذا السياق يبرز حضور شخصية حسن باشا، التي يؤديها الممثل الإيطالي أليساندرو بورغي، في علاقة معقدة تجمع بين السلطة والإعجاب والتوتر، وهي العلاقة التي شكلت أحد أبرز عناصر الجدل النقدي حول الفيلم، خاصة مع إضفاء أبعاد إنسانية وشخصية عليها تتجاوز ما هو موثق تاريخياً، هذا الاختيار الفني قُرئ من قبل البعض كتوسيع درامي مشروع، بينما اعتبره آخرون انزياحاً عن الوقائع الثابتة.
الفيلم لا يكتفي بسرد حكاية أسر تقليدية، بل يركّز على البعد الداخلي للشخصية، حيث تتحول الحكاية إلى رحلة تشكّل وعي كاتب في ظروف قاسية، يظهر سيرفنتس وهو يستخدم السرد كوسيلة مقاومة، يروي القصص لرفاقه الأسرى، ويحوّل الخيال إلى أداة للصمود، في إشارة رمزية إلى ولادة الروح الأدبية التي ستتجلى لاحقاً في أعماله الكبرى، هذه المقاربة تمنح العمل طابعاً تأملياً، يتجاوز الحدث التاريخي نحو سؤال أعمق حول علاقة الألم بالإبداع.
من الناحية الإنتاجية، جاء «El Cautivo» كعمل إسباني-إيطالي مشترك، بميزانية معتبرة، ومدة عرض تقارب الساعتين وربع الساعة، مع استخدام لغات متعددة من بينها الإسبانية والعربية، ما يعكس طبيعة البيئة المتوسطية التي تدور فيها الأحداث، وقد حظي بعرض أول في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي قبل إطلاقه تجارياً، ثم انتقاله إلى المشاهدة العالمية عبر نتفليكس، حيث لاقى نسب مشاهدة مرتفعة ضمن فئة الأفلام غير الناطقة بالإنجليزية.
النقاد انقسموا حول العمل؛ فبينما أشاد كثيرون بجمالية الصورة، ودقة الملابس، والأداء التمثيلي، خاصة في تجسيد التحولات النفسية للشخصيات، رأى آخرون أن الإيقاع كان بطيئاً في بعض المقاطع، وأن الرؤية الإخراجية غلّبت الجانب الفني على العمق الدرامي، كما أثير نقاش واسع حول تمثيل الجزائر العثمانية في الفيلم، وما إذا كان التصوير جاء متوازناً أم خضع لرؤية أوروبية تركز على تجربة الأسير أكثر من السياق المحلي.
يقدم «El Cautivo» قراءة سينمائية حديثة لفصل مهم من تاريخ البحر الأبيض المتوسط، ويعيد تسليط الضوء على مرحلة مفصلية في حياة أحد أعظم كتّاب العالم. وبين الدقة التاريخية والخيال الفني، يظل الفيلم عملاً يفتح باب النقاش حول كيفية تمثيل التاريخ على الشاشة، وحول المسافة الفاصلة بين الوثيقة والدراما، خاصة عندما يتعلق الأمر بشخصية بحجم ميغيل دي سيرفنتس وتجربة حساسة كأسره في الجزائر.
.jpg)
