ڨاسي جيلالي
في ذاكرة بعض العائلات بمنطقة أمشدالله، تتردد حكاية تعود إلى سنوات ثورة التحرير الجزائرية، بطلها – بحسب الرواية المتداولة – مجاهد يُدعى سعيد بوثقنورث من إغيل علي بولاية بجاية، وواقعتها عائلة إيطالية قيل إنها نُقلت إلى مكان يُسمّى “أبعلي”، وهي منطقة تقع بين الشرفة وأمشدالة، وتُعد إداريًا من بلدية الشرفة.
تقول الرواية الشفوية إن المجاهد قام باحتجاز (إختطاف) العائلة في ظروف الحرب، ثم نقلها إلى أبعلي حيث أقامت لفترة في تلك المنطقة، وخلال تلك الفترة، كانت العائلة – حسب ما يُروى – تطالع الصحف الفرنسية التي كان المجاهدون يشترونها يوميا خصيصا لها، و كانت تصف مجاهدي جبهة التحرير الوطني بـ“الخارجين عن القانون” أو “العصابات”، في إطار الدعاية الاستعمارية التي رافقت الحرب.
غير أن ما يُميز هذه القصة، وفق ما يتناقله الرواة المحليون، هو أن العائلة لم تتعرض لسوء معاملة، بل أُطلق سراحها لاحقًا وعادت إلى إيطاليا قبل أن يتم إستقبالها بعين بسام بولاية البويرة، حيث قيل إنها نفت ما كانت الصحافة الفرنسية تروّجه عن “وحشية الفلاڨة”، ويُعتقد في الذاكرة الشعبية أن شهادتها شكّلت إحراجًا للدعاية الاستعمارية، ولو في نطاق محدود.
مع ذلك، فإن البحث في الأرشيفات الصحفية الإيطالية والفرنسية المتاحة، وفي الدراسات الأكاديمية المتعلقة بالحرب الإعلامية خلال الثورة، لا يُظهر حتى الآن توثيقًا رسميًا لهذه الحادثة بالأسماء والتفاصيل المذكورة، لذلك تبقى القصة ضمن إطار “التاريخ الشفهي” الذي لم يُدعّم بعد بوثائق مكتوبة أو شهادات منشورة،فقط بفيديو منشور في الارشيف الفرنسي.
إن أهمية هذه الرواية لا تكمن فقط في تفاصيلها، بل في دلالتها الرمزية: فهي تعكس وعيًا محليًا بمعركة الصورة التي كانت تدور بالتوازي مع المعارك العسكرية، فالثورة لم تكن مواجهة بالسلاح وحده، بل كانت أيضًا صراعًا على السردية بين واقع يعيشه الناس، وصورة تُرسم في عناوين الجرائد.
وإلى أن تكشف الأرشيفات أو الشهادات المكتوبة مزيدًا من المعطيات، تظل حكاية إغيل علي وأبعلي جزءًا من ذاكرة المكان، تحفظها الألسن وتنتظر من يوثقها في سجل التاريخ.
.jpg)
