شرفة ميديا- الرباط
تُعدّ قصة «الملك الذي قايض جزءًا من أرض بلاده مقابل دراجة هوائية» من أكثر الحكايات تداولًا في الذاكرة الشعبية المغربية خاصة و شمال افريقيا عامة، وغالبًا ما تُستحضر باعتبارها مثالًا على سوء التقدير السياسي والانبهار بالغرب, غير أن العودة إلى السياق التاريخي تُظهر أن هذه القصة، وإن ارتبطت فعلًا بشخصية السلطان مولاي عبد العزيز، إلا أنها لم تحدث بالمعنى الحرفي المتداول.
تولى السلطان مولاي عبد العزيز حكم المغرب سنة 1894 وهو في سن صغيرة، في مرحلة دقيقة تميزت بتزايد الأطماع الاستعمارية الأوروبية، خاصة الفرنسية والبريطانية، وبضعف الدولة المخزنية من الناحية المالية والعسكرية, وقد وُضع السلطان الشاب منذ بداية حكمه تحت ضغط داخلي من النخب التقليدية، وضغط خارجي من القوى الأجنبية التي كانت تسعى إلى توسيع نفوذها داخل البلاد.
عرف عن مولاي عبد العزيز اهتمامه الكبير بالمخترعات الحديثة التي كانت تصل من أوروبا، مثل الدراجة الهوائية، وآلات التصوير، والكهرباء، وبعض الألعاب الميكانيكية, وقد أثار هذا السلوك استغرابًا واستهجانًا في أوساط العلماء ووجهاء القصر، حيث اعتُبر نوعًا من الترف غير المقبول في زمن الأزمات, ومع مرور الوقت، تحولت الدراجة الهوائية إلى رمز ساخر يُستعمل لتصوير السلطان على أنه حاكم منبهر بالمظاهر، بعيد عن هموم الدولة.
غير أن المصادر التاريخية الجادة لا تشير إلى أي واقعة تفيد بأن السلطان قايض أرضًا مغربية مقابل دراجة أو أي غرض مماثل, ما حدث فعليًا هو أن عهده شهد توقيع اتفاقيات وامتيازات اقتصادية مع قوى أجنبية، إلى جانب تراكم الديون، وهو ما أضعف السيادة الوطنية ومهّد لاحقًا لفرض الحماية الفرنسية سنة 1912, وقد جرى تبسيط هذه التعقيدات السياسية والاقتصادية في صورة قصة رمزية يسهل تداولها: «دراجة مقابل أرض».
تجدر الإشارة إلى أن السلطان مولاي عبد العزيز لم يكن وحده المسؤول عن هذا الوضع، بل كان نتاج مرحلة كاملة اتسمت بتراجع موازين القوة لصالح أوروبا، وبضعف البنية الداخلية للدولة، إضافة إلى الصراعات داخل البلاط, وقد استُخدمت قصة الدراجة من قبل خصومه السياسيين لتشويه صورته وتعبئة الرأي العام ضده، إلى أن انتهى حكمه سنة 1908.
لا تعكس قصة «الدراجة» حقيقة تاريخية دقيقة بقدر ما تعبّر عن ذاكرة شعبية رمزية اختزلت مرحلة معقدة من تاريخ المغرب في صورة واحدة بسيطة, وبين الأسطورة والتاريخ، يبقى من الضروري قراءة الأحداث في سياقها، بعيدًا عن الأحكام الجاهزة، لفهم كيف تحولت الدراجة من أداة ترفيه إلى رمز سياسي في المخيال الجماعي.
.jpg)
