بقلم: شرفة ميديا
يُعدّ عرش آث مليكش (Aït Mellikeche) أحد الأعراش القبائلية العريقة التي شكّلت جزءًا أصيلًا من النسيج التاريخي والاجتماعي لمنطقة القبائل الكبرى، ضمن الفضاء الزواوي المعروف باستقلاليته وقوة تنظيمه العرفي، وقد حافظ هذا العرش عبر قرون طويلة، على هويته الجماعية ونمط عيشه القائم على التضامن وتسيير الشأن العام عبر مؤسسة «تاجماعت» وقانون «أزرف»، ما جعله في منأى نسبي عن هيمنة الدول المركزية، سواء في العصور الوسطى أو خلال الفترات اللاحقة.
قبل الاحتلال العثماني، كانت آث مليكش تعيش ضمن نظام قبلي مستقل، لا يعترف بسلطة فوقية دائمة، وإنما يقوم على التوافق الجماعي واحترام الأعراف، وتشير المصادر التاريخية الكلاسيكية، وعلى رأسها ابن خلدون، إلى أن قبائل زواوة، التي ينتمي إليها هذا العرش، ذات جذور صنهاجية، استقرت في المناطق الجبلية طلبًا للحماية والاستقلال، وهو ما منحها عبر الزمن قدرة عالية على المقاومة والصمود(1).
في هذا السياق، لم يكن عرش آث مليكش كيانًا معزولًا، بل كان جزءًا من شبكة أعراش متجاورة تربطها علاقات تحالف وتعاون، دون أن يفقد أي طرف استقلاله أو خصوصيته.
ومع بروز الكيانات السياسية المحلية في القرن السادس عشر، وعلى رأسها مملكة كوكو وسلطنة آيث عباس، وجد عرش آث مليكش نفسه في محيط سياسي متغير، غير أنه حافظ على مسافة واضحة من أي تبعية مباشرة، فمملكة كوكو، التي قادها أحمد بن القاضي، شكّلت قوة سياسية وعسكرية مؤثرة في القبائل الكبرى، لكنها لم تستطع إخضاع الأعراش الجبلية إخضاعًا إداريًا، واكتفت بتأثير سياسي ظرفي أو تحالفات محدودة(2) ،و الأمر نفسه ينطبق على سلطنة آيث عباس، التي بسطت نفوذها على مناطق واسعة من البيبان، حيث كانت العلاقة معها أقرب إلى التحالف الدفاعي والتوازن السياسي، لا إلى الخضوع أو الاندماج الكامل(3).
خلال العهد العثماني، ظل نفوذ السلطة المركزية ضعيفًا في جبال القبائل، فقد عجز الأتراك عن فرض إدارة مباشرة على الأعراش الزواوية، ومنها آث مليكش، التي واصلت تسيير شؤونها الداخلية بنفسها، ورفضت الخضوع الجبائي المنتظم أو الوجود العسكري الدائم، هذا الوضع جعل المنطقة شبه مستقلة فعليًا، رغم الاعتراف الاسمي بسلطة إيالة الجزائر(4).
ومع بداية الاحتلال الفرنسي سنة 1830، دخل عرش آث مليكش مرحلة جديدة من المواجهة، فمثل بقية أعراش القبائل، رفض العرش الوجود الاستعماري، وامتنع عن الاعتراف بالقيّاد المعيّنين من قبل الإدارة الفرنسية أو دفع الضرائب المفروضة، ومع تصاعد الحملات العسكرية الفرنسية، خاصة خلال حملة إخضاع القبائل سنة 1857، شارك أبناء آث مليكش في المقاومة المسلحة ضمن تحالفات قبلية واسعة، مستفيدين من الطبيعة الجبلية الوعرة التي وفّرت ملاذًا طبيعيًا للمجاهدين ومسالك خلفية أربكت الجيش الاستعماري(5).
وقد بلغت هذه المقاومة ذروتها خلال ثورة 1871 بقيادة الشيخ محمد المقراني والشيخ الحداد، حيث انخرطت أعراش القبائل في انتفاضة شعبية كبرى ضد الاحتلال، ورغم أن الأرشيف الاستعماري لا يخصّ آث مليكش بذكر مستقل، فإن مشاركة العرش جاءت في إطار هذا الحراك العام، سواء عبر القتال المباشر أو الدعم اللوجستي وإيواء الثوار، وبعد فشل الثورة، تعرّضت المنطقة، مثل غيرها من مناطق القبائل، لعقوبات جماعية قاسية، شملت مصادرة الأراضي وفرض الغرامات، ما أحدث تحولات عميقة في البنية الاجتماعية والاقتصادية للعرش(6).
إلى جانب المقاومة المسلحة، برزت المقاومة الثقافية كأحد أهم أشكال الصمود. ويُعدّ الشاعر والفيلسوف الشعبي موحند سعيد آث مليكش (1812–1877) من أبرز رموز هذه المرحلة، إذ عبّر في شعره عن رفض الاستعمار، وعن معاناة المجتمع القبائلي تحت وطأة القهر وفقدان الأرض، وقد شكّل شعره ذاكرة حيّة للمقاومة، ووسيلة للحفاظ على الهوية والقيم في زمن التحولات القسرية(7).
إن تجربة عرش آث مليكش مع الاحتلال الفرنسي لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل مسارًا طويلًا من الصمود والدفاع عن الأرض والكرامة والهوية، هذا الإرث المقاوم، الذي انتقل شفويًا عبر الأجيال، أسهم لاحقًا في تهيئة الوعي الوطني، وكان أحد روافد المشاركة القوية لأبناء المنطقة في ثورة التحرير الجزائرية، وهكذا، يظل عرش آث مليكش شاهدًا على قدرة المجتمع القبائلي على التكيف والمقاومة، وحفظ الذاكرة التاريخية في وجه محاولات الطمس والاستعمار.
.jpg)
