بقلم شرفة ميديا
لطالما كُتب تاريخ دخول العرب إلى تامازغا من زاوية واحدة، زاوية المنتصر، حيث قدم الحدث بوصفه “فتحًا” و“تحريرًا”، بينما جرى تهميش أو تشويه ذاكرة السكان الأصليين، الأمازيغ، الذين عاشوا على هذه الأرض قبل قرون طويلة من قدوم الجيوش الأموية, هذا الخلاف ليس لغويًا ولا عاطفيًا، بل هو خلاف حول المعنى: هل ما جرى كان فتحًا دينيًا أم غزوًا عسكريًا؟ وهل كانت مقاومة الأمازيغ خيانة أم دفاعًا مشروعًا عن الأرض والسيادة؟
في الروايات العربية الكلاسيكية، يظهر عقبة بن نافع قائدًا فاتحًا، يحمل راية الإسلام ويشق الصحراء من أجل نشر الدين وهزيمة الروم, تُروى قصته بلغة ملحمية، ويُقدَّم تأسيس القيروان كحدث حضاري محض، دون مساءلة حقيقة كونها قاعدة عسكرية فُرضت في أرض مأهولة، وعلى قبائل لم تُستشر ولم تُمنح خيار الشراكة, هذه الروايات تفترض ضمنيًا أن الأرض كانت تنتظر “الفتح”، وأن السكان المحليين كانوا جزءًا من مشهد ثانوي، بلا إرادة سياسية ولا مشروع ذاتي.
في المقابل، تحتفظ الذاكرة الأمازيغية، الشفوية والمكتوبة لاحقًا، بصورة مختلفة تمامًا, فالقادمون من الشرق كانوا جيشًا منظمًا تابعًا لدولة توسعية، دخلوا أرضًا لها لغتها ونُظمها وتحالفاتها, من هذا المنظور، لا يمكن وصف ما حدث إلا بكونه غزوًا عسكريًا، حتى وإن حمل في طياته رسالة دينية ستُقبل لاحقًا, الإسلام في هذه المرحلة لم يكن منفصلًا عن السلطة الأموية، ولا عن منطق الفتح والجباية وإعادة ترتيب المجال السياسي.
وسط هذا الصدام، تبرز شخصية أكسل او كما طلق عليه العرب اسم كسيلة، كإحدى أكثر الشخصيات التي تعرضت للتشويه, في الرواية العربية، يُقدَّم كرجل أسلم نفاقًا ثم ارتد، وتحالف مع الروم، وغدر بعقبة بن نافع، ليصبح نموذج “الخائن” الذي يستحق اللعنة التاريخية, لكن هذه الصورة تنهار عند إخضاعها للمنطق السياسي لعصرها, فالروم، أو البيزنطيون، لم يكونوا غرباء طارئين، بل سلطة قائمة منذ قرون، تحالفت معها قبائل أمازيغية عديدة بحكم الأمر الواقع,تحالف كسيلة معهم لم يكن خيانة لأمازيغ أو لدين، بل خيارًا سياسيًا في مواجهة قوة جديدة تهدد ميزان القوى القائم.
المفارقة أن التاريخ الإسلامي نفسه مليء بالتحالفات المرحلية مع قوى غير مسلمة، ومع ذلك لم يُوصم أصحابها بالخيانة, لكن حين يتعلق الأمر بزعيم أمازيغي قاوم سلطة الخلافة، يتحول الفعل السياسي إلى “ردة” أخلاقية ودينية, هكذا جرى تسييس الدين لإسقاط الشرعية عن المقاومة، لا لفهمها.
الأمر ذاته ينطبق على ديهيا، التي عُرفت في المصادر العربية باسم “الكاهنة”. هذا اللقب لم يكن بريئًا، بل أداة رمزية لتحويل امرأة قادت مقاومة واسعة إلى صورة أسطورية شيطانية، ساحرة تخرب الأرض وتعادي الإسلام, في الحقيقة، لا يوجد دليل قاطع على أن ديهيا حاربت الإسلام كعقيدة، بل حاربت سلطة توسعية تهدد استقلال مجالها السياسي, بل إن بعض الروايات نفسها تذكر حكمتها ووصيتها لأبنائها باعتناق الإسلام لاحقًا، ما يكشف أن الصراع لم يكن دينيًا خالصًا، بل صراع سيادة.
من هنا تتفكك أسطورة “العرب حرروا الأمازيغ”. فالتحرير يفترض وجود شعب مستعبد يطلب الخلاص، وهو ما لا تؤكده الوقائع, الأمازيغ لم يطلبوا التدخل العربي، ولم يثوروا جماعيًا ضد الروم طلبًا للإنقاذ, ما حدث هو انتقال للسلطة من إمبراطورية إلى أخرى, والدليل أن الاضطهاد لم ينتهِ مع ما سُمي بالفتح، بل تفجرت بعده ثورات أمازيغية متلاحقة، بسبب التمييز في العطاء، وفرض الجزية، وإقصاء الأمازيغ من القيادة، رغم دخولهم الإسلام.
التحول الحقيقي لم يحدث إلا حين استوعب الأمازيغ الإسلام خارج منطق التبعية، وأعادوا تشكيله ضمن ثقافتهم، وأقاموا دولهم بأيديهم، من المرابطين إلى الموحدين, هنا فقط أصبح الإسلام في تامازغا مشروعًا مشتركًا، لا سلطة مفروضة, وهنا فقط انتهى الصراع بوصفه صراع غزاة ومقاومين، ليبدأ تاريخ جديد من التعايش والاندماج المتكافئ.
تزوير التاريخ لم يكن حادثًا عرضيًا، بل ممارسة سياسية واعية, في العصر الأموي والعباسي كُتب التاريخ لتبرير الفتح، وفي العصور اللاحقة جرى الخلط المتعمد بين العروبة والإسلام، بحيث يصبح نقد الغزو طعنًا في الدين، وتصبح المقاومة جريمة أخلاقية, أما في العصر الحديث، فقد أعادت المناهج المدرسية إنتاج السردية نفسها، مهمشة الذاكرة الأمازيغية، ومفرغة شخصيات مثل كسيلة وديهيا من معناها الحقيقي.
الأمازيغ لم يكونوا خونة، ولم يكونوا أعداء الإسلام، ولم يكونوا شعوبًا بلا تاريخ, لقد قاوموا، ثم تفاوضوا، ثم اختاروا, انكسروا في لحظة، لكنهم لم ينحنوا, وبهذا المعنى، فإن مبدأ ⵣ “أناراز وال أنكنو” لم يكن يومًا ضد الإسلام، بل ضد الخضوع، أيًّا كان اسمه أو روايته.
التاريخ لا يحتاج إلى أساطير تبريرية، ولا إلى شياطين مصنوعة، بل إلى شجاعة في الاعتراف بأن الحقيقة أوسع من رواية واحدة، وأن تامازغا لم تُفتح، بل قاومت، ثم أسلمت، ثم شاركت في صناعة حضارة مشتركة بشروطها، لا بشروط غيرها.
اقرا ايضا :
«عروبة أم أمازيغية؟ ابن باديس وكشف التناقض في قراءة التاريخ
.jpg)
