ڤاسي جيلالي
في
السنوات الأخيرة، تكررت روايات تزعم أن اللغة الأمازيغية “لغة مصنَّعة
حديثًا في المختبرات”، وهي روايات تجد صداها أحيانًا في النقاشات الهوياتية
أكثر مما تجد سندًا لها في البحث العلمي ,غير أن هذا الادعاء,عند تفكيكه
بهدوء، يقوم أساسًا على خلط شائع بين وجود اللغة وتقعيدها، وهو خلط لا يصمد
أمام المقارنة بتاريخ اللغات العالمية.
الأمازيغية: لغة أقدم من الدولة الحديثة
الأمازيغية
ليست وليدة عصرنا، بل لغة ضاربة في عمق تاريخ شمال إفريقيا, فقد تحدثت بها
شعوب المنطقة قبل العهد الروماني، وخلّفت نقوشًا ليبية–أمازيغية تعود إلى
ما قبل الميلاد و ايضا مناطق بالجزائر مثل تمنراست، الطاسيلي ناجر، جبل
شنڤي، الهقار فيها نقوش صخرية أمازيغية قديمة ومعظمها يعود للعصور ما قبل
التاريخ والتاريخ القديم، ويُظهر رموزًا ونقوشًا لحياة البدو والرعاة ,كما
ان هناك اثار بالمغرب النيجر و مالي و بعض القليل في تونس , ورغم غيابها
طويلًا عن مؤسسات الدولة والتعليم، بقيت حيّة في الاستعمال اليومي داخل
العائلات والقرى والجبال، وانتقلت شفهيًا من جيل إلى جيل.
ما
شهدته الأمازيغية في العقود الأخيرة لا يتعلق بـ”اختراع لغة”، بل
بانتقالها من الفضاء الشفهي إلى الفضاء المكتوب والمؤسساتي، عبر توحيد جزئي
للقواعد، واعتماد نظام كتابي، وإدماجها في المدرسة والإعلام , وهذا المسار
تاريخيًا، هو مسار طبيعي عرفته معظم لغات العالم.
العربية: من التعدد الشفهي إلى التقعيد
اللغة
العربية نفسها مرّت بمراحل مشابهة, فقد كانت قبل الإسلام مجموعة لهجات
متداولة شفهيًا بين القبائل, ومع نزول القرآن الكريم، برزت الحاجة إلى ضبط
اللغة خوفًا من اللحن والاختلاف، فظهرت علوم النحو والصرف في البصرة
والكوفة، وتم تقعيد العربية ووضع قواعدها.
هذا التقعيد
لم يكن اختراعًا للعربية، بل محاولة لحمايتها وتنظيمها ,وفي العصر الحديث،
شهدت العربية مرحلة تحديث أخرى عبر المجامع اللغوية وتوحيد المصطلحات
العلمية، دون أن يشكك أحد في أصالتها أو تاريخها.
العبرية: إحياء لغة لم تمت
اللغة
العبرية تقدّم مثالًا أوضح على الفرق بين “الاختراع” و”الإحياء”. فقد كانت
لغة قديمة استُخدمت في النصوص الدينية، ثم تراجعت كلغة تخاطب يومي لقرون
طويلة، دون أن تختفي من الوعي الثقافي.
في أواخر القرن
التاسع عشر، جرى إحياؤها وتقعيدها وتوسيع معجمها لتصبح لغة التعليم
والإدارة والحياة اليومية, ورغم هذا التحول الجذري، تُعدّ العبرية اليوم
لغة تاريخية أُعيد تفعيلها، لا لغة مصنّعة.
لغات أخرى ومسار واحد
الأمازيغية
ليست حالة فريدة , فالفرنسية والإنجليزية عرفتا عمليات توحيد إملائي
ومعجمي، والإنجليزية الحديثة تختلف كثيرًا عن إنجليزية العصور الوسطى.
أما
التركية، فقد شهدت في القرن العشرين إصلاحًا لغويًا واسعًا شمل تغيير
الحرف من العربي إلى اللاتيني وتبسيط القواعد, والسواحلية لغة إفريقية نشأت
شفهيًا ثم قُعّدت وأصبحت لغة رسمية في عدة دول.
في كل هذه الحالات، لم يُنظر إلى التنظيم والتحديث على أنه “تصنيع”، بل كمرحلة طبيعية في حياة اللغات.
تقعيد اللغة ليس دليلًا على اختراعها
اللغات لا تولد في المختبرات، بل في المجتمع. تولد شفهيًا، تعيش في الذاكرة الجماعية، ثم تُنظَّم حين تحتاجها الدولة والمؤسسات.
من
هذا المنظور، فإن الجدل حول “أصالة” الأمازيغية لا يعكس إشكالًا لغويًا
بقدر ما يعكس سوء فهم لمسار تطور اللغات، أو توظيفًا أيديولوجيًا لمسألة
ثقافية.
الأمازيغية كجزء من التنوع لا كبديل
في
السياق الجزائري، لا يمكن النظر إلى الأمازيغية بوصفها نقيضًا للعربية أو
لأي لغة أخرى، بل كمكوّن من مكوّنات الهوية الوطنية المتراكمة, إن الاعتراف
بها وتنظيمها لا ينتقص من باقي اللغات، بل يندرج ضمن منطق التعدد اللغوي
الذي تعرفه دول كثيرة في العالم.
إن مقارنة الأمازيغية
بالعربية، والعبرية، والفرنسية، والإنجليزية، وغيرها من اللغات، تُظهر
بوضوح أن ما تعيشه اليوم ليس استثناءً ولا بدعة، بل مرحلة طبيعية تأخرت
لأسباب تاريخية.
فاللغات لا تُخترع، بل تُنظَّم، ولا تُفرض من فوق، بل تنبع من المجتمع وتعود إليه.
.jpg)
