مع حلول ذكرى السنة الأمازيغية (ينّاير)، يعود الجدل في كل عام حول مشروعية هذا الاحتفال، بين من يراه تعبيرًا ثقافيًا مشروعًا، ومن يسارع إلى تصنيفه ضمن “البدع” أو المخالفات الدينية ، غير أن هذا الجدل، في كثير من الأحيان، يُدار خارج الإطار العلمي الدقيق، ويغفل عن مبادئ قرآنية وفقهية راسخة.
يقول الله تعالى في سورة الحج:
﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ (الحج: 67)
تؤسّس هذه الآية لمبدأ قرآني واضح، مفاده أن الاختلاف بين الأمم في طرائق عيشها وتنظيمها الزمني والاجتماعي أمر مقصود ومشروع، وليس خروجًا عن سنن الدين ، وقد تنبّه المفسّرون إلى أن لفظ المنسك لا ينحصر بالضرورة في العبادة المحضة فقط.
يذكر الإمام الطبري في جامع البيان أن المنسك هو:
«الطريق والسنة التي جُعلت لكل أمة»
ويشير القرطبي في الجامع لأحكام القرآن إلى أن المنسك قد يُطلق على:
«العبادة، وقد يُطلق على العادة الجارية التي اعتادها القوم»
أما ابن عاشور في التحرير والتنوير فيؤكد أن الآية:
«تقرّ مبدأ اختلاف الأمم في شرائعها وعوائدها، وهو اختلاف لا يُذمّ لذاته»
يفرّق الفقه الإسلامي تفريقًا صارمًا بين العبادات و التي هي توقيفية لا يُشرع منها إلا ما ثبت بنص ، اما العادات فهي مباحة في أصلها ما لم تخالف نصًا أو مقصدًا شرعيًا
وقد قرّر الأصوليون قاعدة معروفة:
الأصل في العادات الإباحة، والأصل في العبادات المنع
ويؤكد الإمام الشاطبي في الموافقات أن:
«العوائد الجارية بين الناس لا تُعدّ بدعًا ما لم يُقصد بها التعبد»
كما يقول ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم:
«ما كان من العادات لا يُنهى عنه إلا إذا تضمّن مفسدة أو مشابهة عقدية»
من خلال هذا الإطار، يمكن تصنيف السنة الأمازيغية (ينّاير) على أنها:
تقليد زراعي مرتبط بدورة الفصول
مناسبة اجتماعية للتفاؤل وبداية سنة عمل جديدة
تعبير عن الذاكرة التاريخية للأمازيغ في شمال إفريقيا
وهي، في واقع ممارستها لا تُقدَّم كعبادة ولا تُعتبر عيدًا دينيًا ولا تنافس الأعياد الإسلامية المقرّرة شرعًا (الفطر والأضحى)
وعليه، فإن إدخالها في باب البدعة الدينية يُعدّ خلطًا بين المجال التعبدي والمجال الثقافي، وهو خلط حذّر منه علماء الأصول قديمًا.
العرف من المصادر المعتبرة في الفقه الإسلامي، وقد نصّ عليه عدد من العلماء، منهم:
ابن القيم في إعلام الموقعين
السيوطي في الأشباه والنظائر
حيث تقرّ القاعدة:
«الثابت بالعرف كالثابت بالنص»
إذا لم يخالف نصًا صريحًا أو مقصدًا شرعيًا.
إن ربط قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا﴾ بالسنة الأمازيغية لا يعني تشريعها دينيًا، بل فهمها ضمن الإطار القرآني العام الذي يقرّ بتنوّع الأمم في عاداتها وتنظيمها الزمني.
وعليه، فإن الاحتفال بينّاير في حدوده الثقافية والاجتماعية لا يتعارض مع الإسلام، وتحويله إلى قضية عقدية لا يخدم الدين ولا ينسجم مع مقاصد الشريعة.
.jpg)
