بقلم شرفة ميديا
تقع
آث يعلى في جبال البيبان شمال الجزائر، وهي واحدة من الأعراش الأمازيغية
العريقة التي حافظت على استقلالها الداخلي رغم مرورها بعصور عسيرة، من
العهد العثماني إلى الاحتلال الفرنسي.
تاريخ
هذا العرش يعكس روح التحدي والمقاومة، وكذلك التوازن الدقيق مع القوى
الإقليمية مثل سلطنة آث عباس ومملكة كوكو، مما منح المجتمع اليعلاوي قدرة
على الحفاظ على ثقافته وعاداته حتى اليوم.
استقلال آث يعلى في العهد العثماني
تروي
الروايات الشعبية أن قرى آث يعلى كانت متمردة على السلطة العثمانية، فقد
أرسل الأتراك فرقة عسكرية لتأديب السكان، لكن السكان استقبلوها بحسن ضيافة،
رغم حادثة مأساوية شهيرة اختُصرت فيها روح الاستقلال والكرامة، حيث تم
عقاب أحد الأطفال بقطع ساقه بعد اختفاء فخذ دجاجة!
تدل
هذه الحكاية على تمسك أهالي آث يعلى بعاداتهم وكرامتهم، وعلى صعوبة
إخضاعهم لأي سلطة خارجية بسبب التضاريس الوعرة والقوة الجماعية للسكان.
العلاقة مع سلطنة آث عباس ومملكة كوكو
كان
لعشيرة آث يعلى نفوذ محدود من سلطنة آث عباس، حيث كان الولاء العسكري
مقابل الاستقلال الإداري الكامل ، أما مملكة كوكو فكانت علاقتها اقتصادية
وتحالفية محدودة، دون تبعية مباشرة.
هذا التوازن بين الولاء الجزئي والاستقلال الداخلي منح آث يعلى القدرة على مقاومة الغزاة لاحقًا والمشاركة في الثورات الوطنية.
مقاومة الاحتلال الفرنسي
انضم
أهالي آث يعلى إلى مقاومة الأمير عبد القادر في الأربعينيات من القرن
التاسع عشر، وأسست زاوية دينية في موقع ثاڤمه، لم تمنع الحملات الفرنسية
الكبرى السكان من الاستمرار في المقاومة، فقد احتضنوا ثورات الشريف بوبغلة
(1851) وثورة المقراني (1871)، وساهموا في نفي المقاومين الفرنسيين مثل
أحمد ولد قدور.
الحياة تحت النفوذ الفرنسي
مع
الاحتلال، تأسست أول مدرسة فرنسية (1888)، رغم عزوف الأهالي عن التعليم
الاستعماري، كما تأسست دواوير ومرافق مدنية، وشهدت المنطقة هجرة كثيفة إلى
فرنسا والجزائر العاصمة بسبب الفقر وقسوة الاستعمار.
رغم
ذلك، حافظ السكان على عاداتهم وتقاليدهم، من التعاون الزراعي إلى الذبح
الاحتفالي، والتطوع في المرافق العامة، وتنظيم الري الجماعي وفق جدول دقيق
يحفظ حقوق الجميع.
التعليم العربي والحركة الإصلاحية
حافظت العائلات اليعلاوية على التعليم العربي والعلوم الشرعية، حيث كان أغلب الأطفال يحفظون القرآن ويقرؤون ويكتبون منذ الصغر.
زار
المنطقة ابن باديس عام 1927 و1937، وأسست مدارس إصلاحية ساهمت في نشر
التعليم، وأرسل منها طلاب إلى قسنطينة، فيما لعبت هذه المدارس دورًا مهمًا
في الحركة الوطنية.
المشاركة الوطنية والثورية
ساهم سكان آث يعلى في تأسيس حزب الشعب الجزائري (1937)، وقدموا قرابة 600 شهيد خلال الثورة التحريرية.
المنطقة تميزت دومًا بروح التضحية والمقاومة، وهو ما جعلها أحد الأعمدة التاريخية في صمود الحركة الوطنية في الجزائر.
عرش آث يعلى ليس مجرد عشيرة عادية، بل هو كيان مستقل جزئيًا استطاع التوازن بين القوة الذاتية والتفاعل مع القوى الإقليمية.
من
مقاومة الأتراك الأتراك، مرورًا بالمقاومة الفرنسية، إلى الحركة الإصلاحية
والوطنية، يظهر العرش نموذجًا للأصالة والوعي الجماعي، حيث حافظ على تراثه
وعاداته وسط تقلبات التاريخ.
المراجع الأكاديمية المعتمدة
Émile Masqueray, Formation des cités chez les populations sédentaires de l’Algérie (1886)
Daumas & Fabar, La Grande Kabylie, étude historique (1847)
Archives coloniales françaises: Béjaïa – Constantine
Poisson, Notes ethnographiques sur Aït Yaâla
دراسة محلية تاريخية: ڤنزات – الشريعة – آث يعلى
Wikipedia, Révolte de Mokrani (1871)
s
.jpg)
