![]() |
| المجاهد سليمان عميرات |
ڨاسي جيلالي
ولد المجاهد سليمان عميرات يوم 24 يوليو 1929 بمنطقة اغبالو ( تكربوست ) ولاية البويرة، ونشأ في القرية، و هي أكبر قرية في إفريقيا على السفوح الجنوبية لقمة لالة خديجة, منذ صغره انخرط في الحركة الوطنية والتحق بالمنظمة الخاصة وهو لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، إذ رأى أخواله فيه القدرة الجسدية والاستعداد النفسي لتحمّل أعباء العمل السري والانضمام إلى تنظيم عسكري ضد الاستعمار الفرنسي, مع اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 كان من طلائع المجاهدين في الولاية الثالثة إلى جانب القائد عبد الرحمن ميرة، الذي لاحظ صلابته وعمق روحه الثورية، فقرر إرساله إلى فرنسا عام 1955 للتكفل بمهمة التحسيس بين العمال الجزائريين المغتربين, في باريس لعب دورًا مهمًا في الحد من هيمنة أنصار الحركة الوطنية الجزائرية التي أسسها مصالي الحاج، وتم اختياره ليكون عضوًا في وحدات “كومندوس” خاصة تحت إمرة عمر عدلاني إلى غاية 1958، حيث ألقي القبض عليه من قبل الشرطة الفرنسية ونُقل إلى سجون الجزائر في قسنطينة وميلة.
خلال سجنه أسس تنظيمًا ثوريًا داخل السجون وعمل على جمع التبرعات والأدوية للمجاهدين بمساعدة عائلات السجناء، وقدر المبلغ المالي بنحو 400 ألف فرنك شهريًا إضافة إلى كميات من الأدوية التي نُقلت إلى المجاهدين في الجبال, أُفرج عنه سنة 1960، فعاد سرًا إلى باريس بجواز سفر مزوّر واستأنف نشاطه، لكن الشرطة الفرنسية ألقت القبض عليه مرة ثانية سنة 1961 ونقلته إلى مركز سانت موريس لاردواز، حيث تعرض للتعذيب الشديد ونجا من الموت بفضل تظاهرات الطلاب الجزائريين في باريس, بقي هناك إلى غاية استقلال الجزائر، وبعده عاد إلى الوطن والتحق بالقوات المكلّفة بمواجهة إرهاب منظمة الجيش السري التي أسسها الجنرال صالان، ونشط ميدانيًا بين الأبيار وبوزريعة.
ظل سليمان عميرات وفيًا للشرعية الثورية ورفض التخلي عن الحكومة المؤقتة، لكنه رفض في البداية الانخراط السياسي، فعمل في سلك الشرطة بين تلمسان والجزائر العاصمة, ومع تأسيس جبهة القوى الاشتراكية من قبل حسين آيت أحمد قرر الانضمام إليها، وحكم عليه بالإعدام خلال محاكمة آيت أحمد والعقيد شعباني، وتمكن من الفرار إلى فرنسا وبقي هناك إلى غاية انقلاب هواري بومدين على الرئيس بن بلة عام 1965, رفض عميرات سياسات بومدين ورفض التنازل عن فكرة إطلاق سراح آيت أحمد، فانضم لاحقًا إلى الشخصيات المؤسسة للحركة الديمقراطية من أجل التجديد في الجزائر سنة 1967، والتي كان على رأسها كريم بلقاسم.
ألقي القبض على عميرات يوم 2 جويلية 1968 وحُكم عليه بالإعدام بعد تسعة أشهر، لكن بومدين رفض تنفيذ الحكم, وخلال فترة سجنه خاض عدة إضرابات عن الطعام، آخرها دام 25 يومًا، ونُقل على إثرها إلى مستشفى وهران في حالة غيبوبة تامة, لم يُفرج عنه إلا بعد ثماني سنوات سجناً، متنقلًا بين سجون وهران، البرواقية، والحراش, أثناء اعتقاله توفي والده، وتدخلت زوجته زبيدة عميرات عالميًا للمطالبة بإطلاق سراحه، مراسلة منظمات حقوق الإنسان، الأمين العام للأمم المتحدة، الملكة إليزابيث الثانية، والرؤساء الفرنسي والتونسي، ما أدى إلى إطلاق سراحه سنة 1975.
مع ظهور التعددية الحزبية مُنحت الحركة الديمقراطية للتجديد الاعتماد الرسمي يوم 1 جانفي 1990، وأصبح عميرات من أبرز القادة السياسيين المعارضين, وتروي زوجته زبيدة عميرات أن سليمان عميرات كان يحمل الوطن في قلبه، ويفضّله على كل شيء، حتى على أطفاله، وكان دائمًا مخلصًا للشهداء، يهتم بأبناءهم ويحرص على الوفاء لمبادئ الثورة, وأشاد رفاقه من المجاهدين، مثل رضا مالك ومصباح عبد الكريم، بشجاعته ونبله واستعداده للتضحية بأغلى ما يملك من أجل تحرير الجزائر، كما أكد المجاهد غفير نشاطه في فرنسا وإنشائه خلايا مسلحة، مؤكدًا أن عميرات اختار الجزائر بدل الديمقراطية.
توفي المجاهد سليمان عميرات يوم 1 جويلية 1992 أثناء وقوفه لتأبين صديقه ورفيق دربه الرئيس المغتال محمد بوضياف، حيث كشفت زوجته أن الوفاة حدثت لحظة قراءته الفاتحة على روح بوضياف، فتراجع خطوتين إلى الوراء فتوقف قلبه فجأة، في لحظة مؤثرة اختزلت وفاءه ومحبته للوطن ولرفاقه, ويظل يُذكر دائمًا بمقولاته الخالدة: «لو خُيّرت بين الجزائر والديمقراطية، لاخترت الجزائر»، «لا أرد على اسئلة تفرق بين الجزائريين», لتبقى سيرته رمزًا للتضحية والوطنية والوفاء للقيم الثورية في ذاكرة الجزائر.
.jpg)
