شرفة ميديا -الرباط
وُلد الفنان المغربي عبد الهادي بلخياط في مدينة فاس، المدينة العريقة التي شكّلت وجدانه الفني والروحي منذ الصغر. نشأ في بيئة محافظة، وكان لصوت المؤذنين والمدائح الدينية أثر مبكر في تكوين أذنه الموسيقية، قبل أن يكتشف موهبته الغنائية التي ستقوده لاحقًا إلى أن يصبح أحد أبرز الأصوات في تاريخ الأغنية المغربية.
في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، لمع نجم عبد الهادي بلخياط بقوة، وفرض اسمه في الساحة الفنية بفضل صوته القوي وأدائه المتميز، مقدّمًا أعمالًا خالدة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجماعية للمغاربة والعرب، من بينها “المنفرجة”، “قطار الحياة”، و”ياك آجرحي”. تميّز أسلوبه بالجمع بين العمق الشعري والأداء الروحي، ما جعله يحظى بمكانة خاصة لدى الجمهور، ويتحول إلى رمز فني حقيقي.
عاش بلخياط سنوات من الشهرة والنجاح، شارك في حفلات كبرى داخل المغرب وخارجه، وكان حضوره مطلوبًا في أهم المناسبات الفنية. غير أن هذا البريق لم يمنعه من طرح أسئلة وجودية عميقة حول معنى الحياة، والغاية من الشهرة، وحدود الفن في إشباع الروح. ومع مرور السنوات، بدأت ملامح التحول تظهر عليه، إلى أن اتخذ قراره الحاسم بالابتعاد عن الفن.
في خطوة فاجأت جمهوره، أعلن عبد الهادي بلخياط اعتزاله الساحة الفنية، واختار التفرغ للعبادة والتأمل، معتبرًا أن تلك المرحلة من حياته قد انتهت. لم يكن انسحابه صاخبًا ولا مثيرًا للجدل، بل جاء هادئًا، متزنًا، ومنسجمًا مع قناعته الداخلية. في تصريحاته القليلة، تحدّث عن توبة صادقة، وعن رغبته في التقرب إلى الله، مبتعدًا عن الأضواء التي طالما أحاطت به.
عاش سنواته الأخيرة في هدوء تام، بعيدًا عن الإعلام، متمسكًا بحياته الروحية، دون أن ينكر ماضيه الفني، بل كان ينظر إليه كمرحلة من مسار طويل قاده في النهاية إلى ما اعتبره السكينة الحقيقية. وبقي اسمه حاضرًا في وجدان المغاربة، سواء كفنان صنع المجد، أو كرجل اختار طريقًا مختلفًا في ختام رحلته.
اليوم، برحيل عبد الهادي بلخياط، يطوي المغرب صفحة من تاريخ فني وروحي استثنائي، صفحة لرجل جمع بين الصوت الجميل والقرار الشجاع، بين الشهرة والاعتزال، وبين الفن والتوبة. رحل الجسد، وبقي الأثر، وبقيت قصة فنان اختار أن تكون خاتمته كما أرادها… هادئة، صادقة، وقريبة من الله.
رحمه الله رحمة واسعة، وإنا لله وإنا إليه راجعون
.jpg)
