قاسي جيلالي
يُعدّ معطوب الونّاس واحدًا من أبرز الرموز الثقافية والنضالية في تاريخ الجزائر المعاصر، ليس فقط باعتباره فنانًا ملتزمًا، بل كصوت حرّ اختار أن يجعل من الأغنية وسيلة مقاومة، ومن الكلمة موقفًا سياسيًا واضحًا, وُلد معطوب الونّاس يوم 24 جانفي 1956 بقرية تاوريرت موسى بولاية تيزي وزو، في قلب منطقة القبائل، ونشأ في بيئة ريفية محافظة تأثرت بعمق بتبعات الاستعمار الفرنسي وبدايات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، وهو ما شكّل وعيه المبكر بالهوية واللغة والانتماء.
منذ شبابه، أبدى معطوب ارتباطًا قويًا بالثقافة الأمازيغية، خاصة القبائلية، التي رأى فيها جوهر الهوية الجزائرية المتعددة. ومع بداية مسيرته الفنية في أواخر السبعينيات، اختار الغناء بالأمازيغية، في وقت كانت فيه هذه اللغة مهمشة رسميًا ومغيّبة عن المؤسسات التعليمية والإعلامية, لم تكن أغانيه الأولى مجرد تعبير فني، بل حملت رسائل واضحة تدافع عن الاعتراف بالأمازيغية كلغة وثقافة، وتنتقد الإقصاء الثقافي والسياسي.
خلال ثمانينيات القرن الماضي، برز معطوب الونّاس كأحد الأصوات الأكثر جرأة في الساحة الفنية الجزائرية، حيث تجاوز الخطوط الحمراء السائدة آنذاك، ووجّه انتقادات صريحة للسلطة، مطالبًا بالديمقراطية وحرية التعبير واحترام التعدد الثقافي, وقد شكّل ذلك سببًا مباشرًا في تعرّضه للمضايقات والمنع من البث في وسائل الإعلام الرسمية، دون أن يدفعه ذلك إلى التراجع عن مواقفه.
في سنة 1988، وخلال أحداث أكتوبر التي هزّت الجزائر، تعرّض معطوب الونّاس لإطلاق نار من طرف قوات الأمن، أُصيب على إثره بجروح خطيرة كادت تودي بحياته, شكّلت هذه الحادثة نقطة تحوّل في مسيرته، إذ زادت من حدة مواقفه السياسية، ورسّخت صورته كفنان مناضل يدفع ثمن كلمته, بعد ذلك، أصبحت أغانيه أكثر مباشرة، وأكثر ارتباطًا بالواقع السياسي والاجتماعي الذي تعيشه البلاد.
مع دخول الجزائر في العشرية السوداء خلال التسعينيات، وجد معطوب نفسه في مواجهة خطر مضاعف، من جهة الجماعات المسلحة التي كانت تعادي أفكاره العلمانية ومواقفه المناهضة للتطرف الديني، ومن جهة أخرى استمرار التضييق الرسمي, وفي سنة 1994، تعرّض للاختطاف من طرف جماعة مسلحة، قبل أن يتم الإفراج عنه بعد أيام، في حادثة زادت من تعقيد وضعه الأمني، وأكدت أنه بات مستهدفًا بسبب مواقفه الفكرية الواضحة.
رغم المخاطر، واصل معطوب الونّاس نشاطه الفني والنضالي دون تراجع، ورفع صوته دفاعًا عن الدولة المدنية، وحرية الضمير، وحقوق الإنسان، والاعتراف الدستوري بالأمازيغية, وقد تحوّلت أغانيه في تلك المرحلة إلى وثائق سياسية تعبّر عن رفض العنف بكل أشكاله، وتنتقد استغلال الدين في الصراع السياسي، كما هاجم الفساد والاستبداد، ما جعله شخصية مثيرة للجدل ومؤثرة في آن واحد.
في 25 جوان 1998، اغتيل معطوب الونّاس بإطلاق نار أثناء تنقله بسيارته في منطقة بني دوالة بولاية تيزي وزو، في ظروف لا تزال إلى اليوم محل جدل واسع, أثار اغتياله صدمة كبيرة في الجزائر، خاصة في منطقة القبائل، حيث اندلعت احتجاجات واسعة، واعتُبر مقتله اغتيالًا لصوت حرّ ورمز ثقافي وسياسي, ورغم توجيه الاتهام رسميًا إلى الجماعة الإسلامية المسلحة، إلا أن الكثير من الأسئلة بقيت مطروحة، ولا يزال ملف اغتياله محاطًا بالشكوك في الذاكرة الجماعية.
السلطات الجزائرية أعلنت رسميًا بعد فترة أن جماعة مسلحة تنتمي إلى التنظيمات الإرهابية كانت وراء عملية الاغتيال، وتم لاحقًا توقيف بعض الأشخاص وتقديمهم للمحاكمة، حيث صدرت أحكام قضائية في القضية, غير أن هذا المسار القضائي لم يُقنع شريحة واسعة من الرأي العام، ولا عائلة الضحية، ولا عددًا كبيرًا من المثقفين والناشطين، الذين اعتبروا أن التحقيق لم يُجب عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالجريمة.
أول عناصر الغموض يتمثل في الظروف الأمنية المحيطة بالحادثة، إذ وقعت عملية الاغتيال في منطقة معروفة بكثافة الحواجز الأمنية آنذاك بسبب الوضع الأمني المتدهور خلال العشرية السوداء، ما دفع كثيرين إلى التساؤل عن كيفية تنفيذ الهجوم ثم انسحاب الجناة دون اعتراض, كما أُثيرت شكوك حول غياب الحماية الأمنية لمعطوب، رغم كونه شخصية مهددة بشكل علني ومتكرر.
العنصر الثاني يرتبط بـ طبيعة شخصية معطوب الونّاس ومواقفه السياسية، فهو لم يكن فقط خصمًا للجماعات المتطرفة بسبب علمانيته ورفضه لاستغلال الدين، بل كان أيضًا ناقدًا شرسًا للسلطة وممارساتها، وهو ما جعله في مواجهة مفتوحة مع أطراف متعددة هذا التداخل بين الخصومات الفكرية والسياسية والأمنية جعل من الصعب حصر الجريمة في جهة واحدة في نظر الكثيرين.
كما زاد من الغموض تصريحات متناقضة صدرت في فترات مختلفة حول مسار التحقيق، إضافة إلى ما اعتُبر نقصًا في الشفافية بشأن بعض تفاصيل الملف، مثل الأدلة التقنية، وشهادات الشهود، والمسؤوليات المحتملة غير المباشرة, وقد صرّحت عائلة معطوب، وعلى رأسها شقيقته مليكة معطوب، مرارًا برفضها للرواية الرسمية، مطالبة بإعادة فتح الملف وكشف الحقيقة كاملة دون انتقائية.
من جهة أخرى، يرى بعض المتابعين أن اغتيال معطوب الونّاس لا يمكن فصله عن السياق السياسي والأمني الحاد الذي كانت تعيشه الجزائر في نهاية التسعينيات، حيث تداخل العنف المسلح مع الحسابات السياسية، وكان المثقفون والفنانون والناشطون أهدافًا مباشرة أو غير مباشرة لصراع معقد تجاوز منطق المواجهة البسيطة بين الدولة والجماعات المسلحة.
لهذه الأسباب مجتمعة، تحوّل اغتيال معطوب الونّاس من جريمة جنائية إلى قضية ذاكرة وطنية، تحمل في طياتها أسئلة غير محسومة حول الحقيقة والعدالة والمسؤولية, وبقي الرجل، في الوعي الجماعي، رمزًا لصوت أُسكت في لحظة مفصلية من تاريخ الجزائر، دون أن تُغلق صفحته نهائيًا، ما دام الغموض يلفّ ملابسات رحيله.
اليوم، يُنظر إلى معطوب الونّاس على أنه أكثر من مجرد فنان، بل رمز لنضال ثقافي وسياسي من أجل الاعتراف بالهوية الأمازيغية وحرية التعبير, وقد ساهمت مواقفه، رغم كلفتها الباهظة، في ترسيخ النقاش حول التعدد اللغوي والثقافي في الجزائر، وهو ما تُوّج لاحقًا بالاعتراف بالأمازيغية كلغة وطنية ثم رسمية, ولا تزال أغانيه حاضرة بقوة، تُستمع إليها كأرشيف حيّ لمرحلة حساسة من تاريخ الجزائر، وشهادة على رجل اختار أن يعيش ويموت وفيًّا لقناعاته.
.jpg)
