![]() |
| عبد الحميد مهري |
ڨاسي جيلالي
تمر اليوم ذكرى وفاة عبد الحميد مهري، أحد أبرز رجال السياسة الجزائرية والمناضلين الوطنيين الذين شكلوا مسار البلاد منذ مرحلة الاستعمار وحتى بناء الدولة الحديثة، في هذه المناسبة، نستذكر حياة رجل جمع بين النضال من أجل الاستقلال ورؤية سياسية تمتد إلى تعزيز الحوار والمصالحة الوطنية، تاركًا إرثًا يتردد صداه في ذاكرة الجزائر المعاصرة.
ولد عبد الحميد مهري في أبريل 1926 بمدينة قسنطينة بالجزائر في أسرة متواضعة عكست واقع الجزائريين تحت الاحتلال الفرنسي، مما شكّل وعيه الوطني منذ سن مبكرة ودفعه للانخراط في الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، انخرط مهري في شبابه في حزب الشعب الجزائري قبل أن يصبح عضوًا مهمًا في حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، حيث شارك في النشاط السياسي الذي طالب بإنهاء الاستعمار الفرنسي. مع اندلاع الثورة التحريرية الكبرى في 1 نوفمبر 1954، انتقل دوره من السياسة الداخلية إلى العمل الثوري، وقد تعرض للاعتقال في بداية الثورة وبقي في السجن لعدة أشهر قبل أن يعود بقوة إلى العمل الثوري.
بعد إطلاق سراحه، انضم مهري إلى جبهة التحرير الوطني وكان من الأسماء السياسية البارزة في الخارج، حيث شغل مواقع مهمة في لجنة التنسيق والتنفيذ، وشارك في تنسيق الجهود الثورية المغاربية خلال الحرب، وفي 1958 أصبح وزيرًا في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، حيث تولى وزارة شؤون شمال إفريقيا ثم وزارة الشؤون الاجتماعية والثقافية، مؤكدًا دوره في العمل السياسي والثوري داخل وخارج البلاد.
بعد الاستقلال في 1962، مرّ مهري بمرحلة إعادة ترتيب مساره، إذ شارك في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وعمل في التعليم والتربية وساهم في جهود تعريب المدرسة الجزائرية وإرساء التعليم الوطني بعد سنوات من الاحتلال الفرنسي، كما شغل مناصب حكومية عليا من بينها وزير المعلومات والثقافة وسفير الجزائر في عدة عواصم، ليعكس دوره متعدد الوجوه بين السياسي والمثقف والدبلوماسي.
في أعقاب أحداث أكتوبر 1988 التي شهدت احتجاجات شعبية واسعة، تولّى مهري زعامة حزب جبهة التحرير الوطني كأمين عام، وهو الحزب الذي كان يقود الجزائر منذ الاستقلال، وقد واجه تحديات كبيرة مع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد نحو التعددية الحزبية، خلال أزمة التسعينيات، دعا مهري للحوار بين الأطراف المختلفة من أجل حل الأزمة الوطنية، وهو ما عبر عنه من خلال دعمه منصة سان إيدجيو للحوار الوطني، سعيًا إلى تحقيق مصالحة وطنية شاملة بعيدًا عن العنف.
امتدت رؤية مهري إلى الفضاء العربي، حيث شارك في العمل القومي، وتم انتخابه أمينًا عامًا للمؤتمر القومي العربي في منتصف التسعينيات، مما أظهر امتدادًا لأفكاره في العمل العربي المشترك والدفاع عن الهوية والقضايا الوطنية في سياق أوسع، توفّي عبد الحميد مهري في 30 يناير 2012 في العاصمة عن عمر يناهز 85 عامًا بعد مرض ألمّ به، وقد وُفِّي بمصافاته كأحد أبرز القادة الوطنيين الذين جمعوا بين النضال السياسي والدبلوماسي والثقافي.
ترك رحيله مشهدًا حضره الكثير من الشخصيات الوطنية من مختلف التيارات الجزائرية، في شهادة على الاحترام الذي حَظِي به كمناضل طوال حياته، ويبقى اسمه مرتبطًا بمرحلة تاريخية حاسمة في الجزائر، من حرب التحرير إلى بناء الدولة، ومن الحزب الواحد إلى آفاق التعددية، ومن القضايا الوطنية إلى الاهتمام بقضايا الأمة العربية، حيث جسّد في مواقفه سعيًا نحو الحوار والمصالحة، مما يجعله شخصية بارزة في ذاكرة السياسة الجزائرية الحديثة.
.jpg)
