بقلم ڨاسي جيلالي
في بلدية الشرفة بولاية البويرة، يتزايد النقاش في أوساط الفلاحين والسكان المحليين حول توسع مشاريع تعبئة المياه المعدنية داخل محيطات ذات طابع فلاحي، وما قد يترتب عن ذلك من آثار على الموارد المائية الجوفية وعلى النشاط الزراعي الذي يشكل مصدر العيش الأساسي لعدد معتبر من العائلات.
وحسب معطيات متداولة محليًا، تضم بلدية الشرفة حاليًا ثلاث وحدات صناعية لتعبئة المياه المعدنية، تم توطين أغلبها داخل أو بمحاذاة مناطق فلاحية مصنفة، وتعتمد هذه الوحدات على استغلال المياه الجوفية عبر آبار ارتوازية مرخصة، وهو ما يثير تساؤلات مشروعة حول قدرة الموارد المائية المحلية على الاستجابة للطلب المتزايد على المدى المتوسط والبعيد.
ويشير فلاحون بالمنطقة إلى صعوبات متزايدة في الحصول على رخص حفر أو تعميق الآبار، بسبب وقوع أراضيهم داخل ما يُعرف بمحيطات الحماية المرتبطة بالمنشآت الصناعية، ويؤكد بعضهم، في تصريحات متطابقة، أن هذا الوضع أثّر على وتيرة السقي، وانعكس سلبًا على مردودية الأشجار المثمرة، خاصة الزيتون والتين و الأشجار المثمرة الاخرى ، وهي محاصيل تحتاج إلى انتظام في التزويد بالمياه للحفاظ على إنتاجها.
أحد الفلاحين صرّح بأن نشاطه الفلاحي قائم منذ سنوات طويلة، غير أن وضعه المائي أصبح أكثر تعقيدًا في السنوات الأخيرة، مضيفًا أن أي اضطراب في السقي يهدد مباشرة مصدر رزق عائلته، فلاح آخر عبّر عن تخوفه من أن يتحول هذا الوضع إلى أمر واقع دائم، حيث يُسمح بالضخ الصناعي المنتظم، في مقابل تقييد الاستعمال الفلاحي للمياه.
وتشير تقديرات غير رسمية متداولة في الوسط الفلاحي إلى أن استهلاك مصنع واحد لتعبئة المياه قد يصل إلى مئات الأمتار المكعبة يوميًا، وهي كميات يعتبرها فاعلون محليون كبيرة مقارنة بالاستهلاك الفلاحي الفردي، خاصة في ظل تراجع التساقطات خلال السنوات الأخيرة. غير أن غياب معطيات منشورة للعموم حول حجم الضخ الفعلي وقدرة الطبقات الجوفية على التجدد، يزيد من حدة القلق لدى السكان.
ولا يقتصر هذا التخوف على الفلاحين فقط، إذ يعتمد عدد من سكان بلدية الشرفة على الآبار التقليدية لتأمين حاجياتهم اليومية من المياه، وبحسب شهادات محلية متطابقة، سُجّل تراجع ملحوظ في منسوب عدد من هذه الآبار خلال الفترة الأخيرة، حيث أكد بعض السكان أن الآبار التي كانت تضمن حاجياتهم سابقًا أصبحت تعطي كميات أقل بكثير من المياه، فيما جفّت آبار أخرى بشكل شبه كلي، هذا الوضع دفع بعض العائلات إلى تعميق آبارها بحفر أمتار إضافية في محاولة للحفاظ على موردها المائي، بينما اضطر آخرون، بسبب نقص الإمكانيات المادية أو التقنية، إلى ردم آبارهم والتخلي عنها نهائيًا، والبحث عن بدائل أكثر تكلفة لتأمين احتياجاتهم اليومية من المياه.
ويرى متابعون للشأن المحلي أن الإشكال المطروح لا يتعلق برفض الاستثمار الصناعي في حد ذاته، بل بطريقة توطينه وحجمه وآليات متابعته، خاصة عندما يتعلق الأمر بمورد استراتيجي وحساس كالمياه الجوفية، ويؤكد هؤلاء على أهمية اعتماد مقاربة تشاركية تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المناطق الفلاحية وحقوق السكان، إلى جانب متطلبات التنمية الاقتصادية.
ورغم خضوع مشاريع تعبئة المياه لإجراءات قانونية ودراسات أثر بيئي، يطالب فاعلون محليون بمزيد من الشفافية في عرض نتائج هذه الدراسات، وبإشراك الفلاحين والسكان في النقاشات المتعلقة بتسيير الموارد المائية، تفاديًا لأي اختلال قد تكون له آثار طويلة المدى على التوازن البيئي والاجتماعي للمنطقة.
ويبقى ملف استغلال المياه الجوفية في بلدية الشرفة محل تساؤلات مفتوحة، في انتظار توضيحات رسمية ومعالجات تضمن التوفيق بين تشجيع الاستثمار والحفاظ على الفلاحة كمصدر رزق واستقرار، وحماية مورد مائي يشكل عصب الحياة في المنطقة.
.jpg)
