بقلم: ڨاسي جيلالي
منذ سنوات طويلة، لا تكاد تمر بطولة إفريقية أو مباراة حاسمة دون أن تعود الاتهامات نفسها إلى الواجهة: الكولسة داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، شراء الحكام، الضغط على لجان التحكيم، وفرض قرارات تخدم أطرافًا بعينها, هذا الخطاب لم يعد حكرًا على جماهير غاضبة أو إعلام متشنج، بل أصبح جزءًا من الوعي الكروي الإفريقي، لأن الكاف نفسها ساهمت، عبر تاريخها وممارساتها، في ترسيخ صورة اتحاد يفتقد إلى الشفافية، وقابل للتأثر بالنفوذ السياسي والمالي أكثر من خضوعه الصارم لقوانين اللعبة.
خلال العقود التي سيطر فيها عيسى حياتو على مفاصل الكاف، تركزت السلطة في يد دائرة ضيقة من المسؤولين, ما كان يُقدَّم آنذاك كـ«استقرار إداري» كان في الواقع قائمًا على شبكة ولاءات بين اتحادات ذات وزن سياسي وانتخابي، أبرزها الكاميرون ومصر ونيجيريا, التحكم لم يكن فجًّا في أغلب الأحيان، بل اتخذ أشكالًا أكثر نعومة، عبر تعيين حكام بعينهم، اختيار أماكن وتوقيت المباريات، والتساهل مع أخطاء معيّنة مقابل التشدد مع أطراف أخرى, هذه الممارسات، وإن لم تُوثَّق دائمًا قضائيًا، إلا أنها تراكمت في وجدان اللاعبين والجماهير، وخلقت قناعة عامة بأن ميزان العدالة داخل الكرة الإفريقية لم يكن متوازنًا.
ظل التحكيم الإفريقي، منذ ذلك الحين، الحلقة الأضعف في المنظومة, ضعف التكوين، غياب الاحتراف الحقيقي، والتأثر بالضغط الجماهيري والإعلامي، جعلت الحكم الإفريقي عرضة للخطأ، وأحيانًا للتأثير, ومع غياب منظومة مساءلة علنية وشفافة، تحوّل كل خطأ تحكيمي في مباراة كبرى إلى شبهة تواطؤ، خاصة عندما يخدم القرار منتخبًا أو ناديًا يُنظر إليه على أنه قريب من دوائر النفوذ داخل الكاف.
في هذا السياق، لم تكن الجزائر يومًا بعيدة عن هذا الجدل, ففي تصفيات كأس العالم 2010، وجدت نفسها وسط مسار معقّد انتهى بمباراة فاصلة في ظروف استثنائية، خلّفت شعورًا واسعًا بأن الاعتبارات التنظيمية والتحكيمية لم تُدار وفق منطق رياضي بحت, وفي كأس أمم إفريقيا 2015، رافقت مشاركة المنتخب الجزائري قرارات تحكيمية متباينة في تفسيرها، خصوصًا خلال دور المجموعات، ما أعاد طرح سؤال الاتساق في تطبيق القانون داخل المسابقة نفسها.
وتفاقم هذا الإحساس في تصفيات كأس العالم 2022، خلال المباراة الفاصلة التي شكّلت إحدى أكثر المحطات إثارة للجدل في تاريخ الكرة الجزائرية, حينها، لم يكن الاستياء موجّهًا فقط إلى بعض القرارات التحكيمية في اللحظات الحاسمة، بل إلى غياب أي توضيح رسمي من الكاف، وعدم فتح تحقيق شفاف يشرح للرأي العام ما جرى داخل الملعب، وهو ما عمّق الشعور بالظلم ورسّخ صورة الإفلات من المحاسبة.
سقوط عهد عيسى حياتو لم يؤدِّ إلى ميلاد كاف جديدة، بل كشف هشاشة البناء كله, الفضائح التي لاحقت القيادة اللاحقة، وعلى رأسها قضايا الفساد التي تورط فيها أحمد أحمد، ثم تدخل الفيفا لإعادة ترتيب البيت الإفريقي، عمّقت أزمة الثقة بدل أن تعالجها, لم تعد المشكلة في وجود «دولة مسيطرة» واحدة، بل في تعدد مراكز الضغط داخل الاتحاد، ما جعل القرارات تبدو أحيانًا نتاج توازنات سياسية أكثر من كونها تطبيقًا صارمًا للوائح.
وفي خضم هذا المناخ المشحون، جاءت مباراة المغرب والكاميرون، التي لُعبت أمس، لتعيد الجدل بقوة إلى الواجهة. فقد أثار قرار تغيير الحكم المصري في توقيت متأخر، وتعويضه بحكم المورتاني، تساؤلات واسعة داخل الأوساط الكروية والإعلامية الإفريقية، الجدل لم يكن مرتبطًا بهوية الحكم فقط، بل بالظروف التي رافقت هذا التغيير، والتسريبات التي تحدثت عن ضغوط مورست داخل أروقة الكاف من الجانب المغربي، بدعوى تفادي أخطاء محتملة أو عدم الجاهزية.
هذا القرار، الذي جاء قبل مباراة مصيرية، أعاد طرح سؤال المعايير المعتمدة في تعيين وتغيير الحكام داخل الاتحاد الإفريقي ، فبدل أن تبادر الكاف إلى شرح أسباب التغيير للرأي العام، التزمت الصمت مرة أخرى، وهو ما فتح الباب أمام التأويلات، خاصة في ظل تاريخ طويل من القرارات الغامضة والتداخل بين السياسة والرياضة داخل المنظومة القارية، وسواء ثبتت صحة هذه الضغوط من عدمها، فإن مجرد انتشار هذا الجدل على نطاق واسع يعكس حجم أزمة الثقة التي باتت تحيط بالكاف.
وفي السياق نفسه، جاء ما حدث اليوم في مباراة الجزائر ونيجيريا ليعمّق هذا الإحساس، التحكيم في اللقاء لم يكن مجرد هفوة معزولة، بل سلسلة قرارات مثيرة للجدل، تجاهلت أخطاء واضحة، وفسّرت لقطات حساسة ضد المنتخب الجزائري بشكل أربك اللاعبين والجهاز الفني وأثار استغراب المتابعين، غياب الانسجام في القرارات، وعدم اللجوء المنطقي إلى آليات المراجعة، عزّزا الشعور بأن الجزائر كانت الطرف الأضعف في معادلة تحكيمية غير متوازنة.
الخطير في مثل هذه الوقائع ليس الخطأ بحد ذاته، بل تكراره في سياق عام يفتقد إلى الشفافية، فحين لا تشرح الكاف قراراتها، ولا تحاسب حكامها علنًا، فإنها تترك المجال مفتوحًا للروايات البديلة، مهما كانت قاسية أو متطرفة. ومع كل مباراة مثيرة للجدل، يتعمق الشرخ بين المؤسسة القارية وجماهيرها.
في النهاية، ليست كل مباراة في إفريقيا مفبركة، ولا كل حكم فاسدًا. لكن المؤكد أن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، عبر تاريخ طويل من الغموض، وسوء الحوكمة، والتداخل بين السياسة والرياضة، خلق بيئة تجعل الشك منطقيًا ومشروعًا. المشكلة الحقيقية اليوم ليست في الاتهامات نفسها، بل في أن الكاف لم تعد تمتلك المصداقية الكافية لنفيها بإقناع. وحين تصل مؤسسة رياضية قارية إلى هذه المرحلة، فإن الخطر لا يهدد سمعتها فقط، بل مستقبل كرة القدم الإفريقية نفسها، التي ستبقى أسيرة الجدل بدل أن يُحتكم فيها إلى المستطيل الأخضر وحده.
.jpg)
