![]() |
| الفنان سليمان عازم (1918-1983) |
ڨاسي جيلالي
بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة الفنان والشاعر سليمان عازم، التي تصادف اليوم 28 جانفي، نستحضر مسار رجل لم يكن صوته مجرد أغنية، بل شهادة زمن كامل من المنفى والمقاومة بالكلمة، وذاكرة فنية حاولت الرقابة إسكاتها فخلّدها التاريخ.»
وُلد سليمان عازم سنة 1918 بقرية آيت حمو في تيزي وزو، في زمن كانت فيه الجزائر ترزح تحت الاستعمار الفرنسي، حيث شكّلت الكلمة الشفوية والحِكمة الشعبية ملاذًا ثقافيًا للحفاظ على الهوية، في هذا المناخ تشكّلت شخصيته، وتشبع بلغته الأم وقيم مجتمعه، قبل أن يضطر سنة 1937 إلى الهجرة نحو فرنسا، ليستقر في مدينة لونغوي ويعمل عاملًا في مصانع الحديد والصلب، هناك بدأت تتعمّق لديه تجربة المنفى، فكانت حياته، كحال كثير من أبناء جيله، موسومة بحربين، وبالغربة، وبحنين دائم إلى الوطن الذي لم يفارقه وجدانيًا قط.
بعد إستقلال الجزائر، تولّى تسيير مقهى في باريس، فتحوّل المكان إلى فضاء فني وإنساني، يؤدّي فيه أولى أغانيه أمام جمهور أغلبيته من المهاجرين القبائل، كانت نصوصه الأولى مشبعة بألم البعد عن الأرض والأهل، وبإحساس الانكسار الذي يرافق العامل المغترب، وهو يردّد في إحدى أغانيه مخاطبًا الوطن:
«A tamurt-iw, acu-tt i d-yellan, ma d nek ad ruḥeɣ ad k-id-ɛiw?»
وكأن السؤال عن جدوى الرحيل ظلّ يلاحقه طوال مسيرته.
لم يكن سليمان عازم فنانًا منعزلًا عن قضايا عصره، بل كان وطنيًا مبكر الالتزام، مناضلًا في صفوف حزب الشعب الجزائري، يرى في الأغنية فعل مقاومة بقدر ما هي تعبير فني، وفي سنة 1955، وفي ذروة الصراع التحرري، كتب أغنيته الشهيرة «Ffeɣ ay ajrad tamurt iw»، التي يقول فيها:
«Ffey ay ajrad, ffey seg tmurt-iw»
مقارنًا الاستعمار بأسراب الجراد التي تغزو الحقول وتأتي على الأخضر واليابس, كانت الأغنية صادمة في بساطتها وجرأتها، فما كان من السلطات الاستعمارية إلا أن منعتها وضيّقت على صاحبها، إدراكًا منها لخطورة الكلمة حين تخرج من قلب التجربة الشعبية.
منذ ذلك الحين، ترسّخ سليمان عازم كأحد أبرز رموز الأغنية الأمازيغية الملتزمة, لم يكن خطابه مباشرًا أو شعاراتيًا، بل اعتمد على الرمز والحِكمة، وعلى نقد المجتمع والسلطة معًا دون انفعال, في أغانيه، حذّر من خيانة القيم، ومن تقلّب البشر مع المال والزمن، قائلًا في إحدى حكمه الغنائية التي اشتهرت بين الناس:
«Ur tḥemmel ara lḥeqq, win i yewwet s waman»
في إشارة إلى أن الحق لا يُحتمل أحيانًا ممن تعوّدوا السير مع التيار.
بعد الاستقلال، لم يتغيّر صوته النقدي، بل ازداد مرارة وعمقًا, انتقد ممارسات السلطة وخيبات ما بعد التحرير، فدُفع إلى التهميش، ومُنع من العودة إلى وطنه، وحُظرت أغانيه رسميًا داخل الجزائر، لتتداول سرًا بين الناس, في المقابل، أصبح في فرنسا صوتًا أسطوريًا لدى الجالية القبائلية، التي وجدت في كلماته عزاءً وذاكرة مشتركة، وهو يردّد:
«Ddunit d amkan n tmedyazt, ur tettḥemmel ara lɣurur»
مذكّرًا بأن الدنيا مسرح زائل، لا يرحم من يغترّ بها.
على امتداد مسيرته، بنى سليمان عازم رصيدًا فنيًا غنيًا، تميّز بألحان بسيطة، وصوت هادئ، لكن بكلمات ثقيلة المعنى, كانت القبائل حاضرة في كل أعماله، كجذر ثقافي ووجداني، وكمرجع أخلاقي، فظلّ وفيًا للأصل، محذّرًا من القطيعة مع الجذور، لأن من يضيع أصله يضيع معه المعنى.
توفي سليمان عازم يوم 28 جانفي 1983 في مزرعته بمدينة مواساك بفرنسا، بعد حياة طويلة من الغربة والإبداع والالتزام, رحل الجسد، لكن صوته بقي حيًا، لأن كلماته لم تُكتب لزمن عابر، بل للإنسان في ضعفه وقوته، في غربته وذاكرته.
سليمان عازم لم يكن مجرد مطرب، بل شاعر حكمة، جعل من الأغنية الأمازيغية سجلًا إنسانيًا مفتوحًا، ومن الكلمة الصادقة وطنًا بديلًا لا يُصادَر.
.jpg)
