![]() |
| منصة تداول رقمية |
ڤاسي جيلالي- العالم
في واحدة من أكبر الحوادث الأمنية التي شهدها قطاع العملات الرقمية، أعلنت منصة «باينانس» (Binance)، أكبر منصات تداول الأصول المشفرة في العالم، تعرضها لاختراق أمني قُدّر تأثيره المالي بنحو 6.3 مليارات دولار، في حادثة وقعت يوم الخميس 29 أكتوبر 2026، وأثارت مخاوف واسعة بشأن أمن منصات التداول المركزية وقدرتها على حماية أصول المستخدمين.
وأوضحت المنصة، في بيان رسمي نشرته يوم الجمعة 30 أكتوبر، أن التحقيقات الأولية تشير إلى احتمال اختراق حاسوب محمول تابع لأحد مهندسي عمليات التطوير (DevOps)، وهو ما مكّن المهاجم من الوصول إلى إحدى حاويات الخدمات داخل البنية التقنية للمنصة، ثم استغلال هذا الوصول لإرسال معاملات سحب غير مصرح بها.
وأكدت باينانس أنها لم تعثر، حتى الآن، على أي دليل يشير إلى تسريب المفاتيح الخاصة بالمحافظ الرقمية، مشيرة إلى أن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد المسار الكامل للهجوم والجهة المسؤولة عنه، مع التعهد بنشر تقرير تقني مفصل بعد التحقق النهائي من جميع الوقائع.
لفهم خطورة الحادثة، ينبغي التمييز بين المحافظ الساخنة والمحافظ الباردة التي تعتمد عليها منصات تداول العملات الرقمية.
فالمحافظ الساخنة (Hot Wallets) تكون متصلة بالإنترنت، وتُستخدم لتلبية عمليات السحب والتحويل اليومية بسرعة، بينما تُحفظ المحافظ الباردة (Cold Wallets) بعيداً عن الاتصال المباشر بالشبكة، بهدف توفير مستوى إضافي من الحماية.
وبحسب التحليلات التقنية التي نشرتها شركة Bitquery، استهدفت العملية عدداً من المحافظ الساخنة التابعة لباينانس، حيث جرى تحويل أصول رقمية من 17 محفظة عبر تسع شبكات بلوكشين، خلال فترة امتدت من الساعة 20:04 إلى 23:56 بالتوقيت العالمي يوم 29 أكتوبر.
وتشير هذه التحليلات إلى أن المهاجم لم يكن بحاجة بالضرورة إلى امتلاك المفاتيح الخاصة للمحافظ، بل تمكن من استغلال آلية التفويض والتوقيع المعتمدة داخل أنظمة المنصة لتنفيذ معاملات بدت صحيحة من الناحية التقنية.
وفي شبكة إيثيريوم تحديداً، استُخدمت تقنية EIP-7702، التي تسمح للمحفظة بتفويض بعض صلاحيات تنفيذ العمليات إلى تعليمات برمجية أخرى، ووفقاً للتحليل، استُخدمت 50 موافقة موقعة مسبقاً لتمكين التعليمات البرمجية الخاصة بالمهاجم من التحكم في تدفق الأموال من إحدى المحافظ الساخنة الرئيسية.
وتشير بيانات Bitquery إلى أن العملية استمرت قرابة ثلاث ساعات و50 دقيقة داخل المحفظة الرئيسية المستهدفة على شبكة إيثيريوم، فيما كانت التحويلات تشمل أيضاً شبكات أخرى، من بينها بيتكوين وترون وXRP وسولانا.
وتكمن خطورة هذا الأسلوب في أن المهاجم استغل، وفقاً للمعطيات الأولية، صلاحيات النظام الذي ينفذ عمليات السحب، بدلاً من اختراق المفاتيح الخاصة نفسها، وهو ما يفتح نقاشاً أوسع حول أمن أنظمة إدارة الصلاحيات داخل منصات التداول.
**6.3 مليارات دولار.. أين ذهبت الأموال؟**
قدّرت باينانس إجمالي التأثير المالي للحادثة بنحو 6.3 مليارات دولار، وهو رقم أكدته أيضاً تحليلات مستقلة لتدفقات الأموال على شبكات البلوكشين.
وتشير بيانات شركة TRM Labs إلى أن نحو 6.36 مليارات دولار خرجت من محافظ باينانس عبر عشر شبكات بلوكشين، بينما حددت Bitquery في تحليلها 17 محفظة ساخنة وتسع شبكات رئيسية شملتها التحويلات.
وتُظهر هذه التحليلات أن شبكة إيثيريوم كانت الأكثر تضرراً من حيث القيمة، إذ قُدرت التحويلات الخارجة منها بنحو 3.8 مليارات دولار، كما سجلت شبكة ترون تحويلات كبيرة شملت نحو 613 مليون وحدة من العملة المستقرة USDT، في حين شهدت شبكة بيتكوين تحويل نحو 18,270 بيتكوين.
وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام الخاصة بعدد الشبكات تختلف بين تقارير شركات التحليل، تبعاً لنطاق البيانات التي اعتمدتها وطريقة تصنيف التحويلات المرتبطة بالحادثة.
**سباق لتجميد الأموال.. شركات عالمية تتدخل**
في أعقاب اكتشاف التحويلات، تحولت العملية إلى سباق بين المهاجم والجهات القادرة على تجميد الأصول الرقمية، خصوصاً العملات المستقرة التي يمكن لمصدريها تعطيل حركة الأموال الموجودة في عناوين محددة.
وفي هذا السياق، تدخلت عدة شركات كبرى، أبرزها:
- شركة Tether، المصدرة للعملة المستقرة USDT، التي أعلنت تجميد ما يقارب 1.57 مليار دولار من الأصول المرتبطة بالحادثة.
- شركة Circle، المصدرة للعملة USDC، التي جمدت أكثر من 800 مليون دولار، بالتنسيق مع جهات إنفاذ القانون.
- شركة Ripple، التي ساهمت في تجميد أصول قُدرت بنحو 200 مليون دولار.
- شركة World Liberty Financial، التي أعلنت العمل مع أمين الحفظ BitGo لتجميد أصول مرتبطة بالحادثة، من بينها نحو 27 مليون دولار من العملات المستقرة USD1، إضافة إلى رموز رقمية أخرى.
كما تدخل مجلس الأمن التابع لشبكة Arbitrum لتجميد أصول رقمية على شبكته.
وبحسب التحديث الرسمي لباينانس، بلغ إجمالي الأصول المجمدة على السلسلة نحو 3 مليارات دولار، بينما قدرت تحليلات TRM Labs وBitquery الأموال التي جرى تجميدها أو استردادها بنحو 2.7 مليار دولار، وفق توقيتات مختلفة لرصد المعاملات.
أما المبلغ المتبقي، فلا يعني بالضرورة أنه أصبح قابلاً للتصرف بالكامل، إذ أظهرت تحليلات Bitquery أن جزءاً كبيراً منه ظل موجوداً في محافظ مرتبطة بالمهاجم، دون رصد تحويله إلى منصات تداول معروفة أو خدمات خلط العملات خلال الفترة التي شملها تحليلها.
وتشير الشركة نفسها إلى أن المهاجم تمكن من تحويل نحو 729 مليون دولار من عملة USDT إلى أصول رقمية أخرى قبل وصول بعض عمليات التجميد، في محاولة لتجاوز القيود التي يمكن أن تفرضها الجهات المصدرة للعملات المستقرة.
**هل تقف كوريا الشمالية وراء العملية؟**
من أبرز التطورات التي ظهرت بعد الحادثة ما نشرته شركة TRM Labs المتخصصة في تحليل معاملات البلوكشين والتحقيق في الجرائم المالية الرقمية.
فقد نسبت الشركة الهجوم، بدرجة ثقة وصفتها بالمرتفعة، إلى مجموعة TraderTraitor، وهي مجموعة قرصنة مرتبطة بكوريا الشمالية، استناداً إلى معطيات تقنية وتحليلات للمعاملات على السلسلة وخارجها.
وقالت TRM Labs إن أسلوب الهجوم وبعض خصائصه تتشابه مع عمليات سابقة نُسبت إلى المجموعة نفسها، من بينها الاختراق الذي استهدف منصة Bybit في فبراير 2025، والذي أعلنت السلطات الأمريكية مسؤولية جهات كورية شمالية عنه.
كما نقلت وكالة رويترز أن شركتي TRM Labs وChainalysis توصلتا إلى تقييم يربط العملية بجهات قرصنة كورية شمالية.
ومع ذلك، فإن هذا الإسناد يستند إلى تقييمات شركات استخبارات وتحليل البلوكشين، وليس إلى إعلان قضائي أو نتيجة تحقيق رسمي نهائي منشور حتى الآن.
**باينانس تطمئن المستخدمين وتتعهد بتغطية الخسائر**
في مواجهة المخاوف التي أثارتها الحادثة، أكدت باينانس أن أموال المستخدمين آمنة، وأنها ستتحمل جميع الخسائر الناتجة عن الاختراق المحتمل، بالاعتماد على صندوق حماية الأصول الآمنة (SAFU) وأموال الشركة.
ويُعد صندوق SAFU آلية احتياطية أنشأتها المنصة لحماية المستخدمين في حالات الطوارئ الأمنية، ويُحتفظ بأصوله في صورة بيتكوين وفق المعلومات المنشورة عن الصندوق.
كما أعلنت الشركة اتخاذ مجموعة من التدابير الفورية، شملت:
- تعليق عمليات الإيداع والسحب مؤقتاً خلال الفحوصات الأمنية.
- إلغاء صلاحيات العناوين المتأثرة بالحادثة.
- التنسيق مع أجهزة إنفاذ القانون وشركات تحليل البلوكشين لتعقب الأموال وتجميد المزيد منها.
- العمل على معالجة الثغرات وتقييم مسار الاختراق.
- نشر تحديث جديد لإثبات الاحتياطيات (Proof of Reserves) بعد استكمال إجراءات المعالجة.
ووفقاً لما نقلته رويترز يوم 30 أكتوبر، توقعت المنصة استئناف خدمات السحب خلال 48 ساعة، مع الإشارة إلى أن عمليات الإيداع لم تتأثر بالحادثة بحسب التقرير.
كما أكد مؤسس المنصة تشانغبينغ تشاو، المعروف باسم CZ، أن الحادثة تبدو اختراقاً إلكترونياً، مضيفاً أنه يتوقع تغطية أرصدة المستخدمين بالكامل، رغم أنه لم يعد يتولى إدارة الشركة.
**تساؤلات حول الاحتياطيات وأرصدة العملاء**
ورغم تطمينات باينانس، أثارت الحادثة نقاشاً تقنياً ومالياً حول العلاقة بين الأموال التي تحتفظ بها المنصة والأصول التي تضمن بها أرصدة عملائها.
وفي تقرير نشرته CoinDesk، أشار تحليل لبيانات إثبات الاحتياطيات المنشورة من طرف باينانس بتاريخ الأول من أكتوبر إلى أن إحدى المحافظ التي استُهدفت في الهجوم، والمعروفة باسم Binance 14، كانت مدرجة ضمن المحافظ المستخدمة لإثبات تغطية أرصدة العملاء.
ووفق التحليل نفسه، كانت المنصة تحتفظ في ذلك التاريخ بما يكفي لتغطية أرصدة عملائها من عملة إيثيريوم بنسبة 100%، ما يعني أن فقدان نحو 204,500 وحدة من ETH قد يؤدي نظرياً إلى انخفاض نسبة التغطية إلى قرابة 94%، إلى حين تعويض الأصول المفقودة.
وأشار التقرير أيضاً إلى احتمال تأثر نسب تغطية بعض العملات الأخرى، وهو ما يجعل تحديث إثبات الاحتياطيات المرتقب ذا أهمية خاصة لتقييم الوضع المالي بعد الحادثة.
لكن هذه النتائج تمثل تحليلاً لبيانات الاحتياطيات السابقة للاختراق، ولا تعني إثبات عجز المنصة عن الوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء، خصوصاً أن باينانس أعلنت التزامها بتغطية الخسائر من أموالها وصندوق SAFU.
**الأسواق تتفاعل.. تراجع البيتكوين وإيثيريوم وBNB**
لم تتوقف تداعيات الحادثة عند منصة باينانس، بل امتدت إلى أسواق العملات الرقمية والأسهم المرتبطة بالقطاع.
فقد سجلت أسعار العملات الرقمية تراجعات ملحوظة خلال تداولات الجمعة 30 أكتوبر، حيث انخفض سعر البيتكوين بأكثر من 3% ووصل إلى مستويات قرب 76,000 دولار، مسجلاً أدنى مستوياته في ستة أسابيع وفق بيانات نقلتها رويترز.
كما تراجعت عملة إيثيريوم بأكثر من 3%، بينما انخفضت عملة BNB التابعة لمنظومة باينانس بنحو 5% خلال الفترة التي تناولها التقرير.
وامتد التأثير إلى الأسواق المالية التقليدية، حيث تراجعت أسهم شركة Coinbase بنحو 4.8%، فيما سجلت أسهم شركة Strategy انخفاضاً اقترب من 6% خلال التداولات الممتدة في الولايات المتحدة.
وفي تقرير آخر، أشارت CoinDesk إلى أن موجة التراجع تسببت في تصفية مراكز تداول آجلة ذات رافعة مالية تجاوزت قيمتها الإجمالية مليار دولار، ما يعكس حجم المخاوف التي انتقلت إلى المتعاملين في السوق.
ونقلت المنصة عن محللين في Standard Chartered توقعهم استمرار الضغوط على أسعار العملات الرقمية على المدى القريب، إلى حين اتضاح تفاصيل الاختراق ونتائج عمليات تجميد واستعادة الأموال.
**هل أصبح هذا أكبر اختراق في تاريخ العملات الرقمية؟**
إذا تأكدت الأرقام الحالية، فإن حادثة باينانس ستتجاوز من حيث القيمة اختراق منصة Bybit الذي وقع في فبراير 2025، عندما استولى المهاجمون على أصول رقمية قدرت قيمتها بنحو 1.5 مليار دولار.
ووفقاً لشركة TRM Labs، فإن عملية باينانس، المقدرة بنحو 6.36 مليارات دولار، تعادل أكثر من أربعة أضعاف قيمة اختراق Bybit.
وتكتسب المقارنة أهمية إضافية بالنظر إلى أن اختراق Bybit نُسب أيضاً إلى مجموعة قرصنة كورية شمالية، وفق التحقيقات الأمريكية التي استشهدت بها شركات تحليل البلوكشين.
وتكشف هذه الحوادث عن تطور أساليب استهداف قطاع العملات الرقمية، حيث لم تعد الهجمات مقتصرة على استغلال أخطاء العقود الذكية أو سرقة المفاتيح الخاصة، بل باتت تشمل أيضاً اختراق الأجهزة والأنظمة الداخلية واستغلال الصلاحيات الممنوحة للموظفين والخدمات التقنية.
**ما الذي تعنيه الحادثة لمستقبل منصات التداول؟**
تطرح واقعة باينانس مجموعة من الأسئلة المهمة حول قدرة المنصات المركزية على حماية الأصول التي يديرها ملايين المستخدمين، ومدى فعالية أنظمة التحقق متعدد المستويات ومراقبة عمليات السحب غير المعتادة.
كما تبرز أهمية التعاون بين منصات التداول ومصدري العملات المستقرة وشركات تحليل البلوكشين والسلطات المختصة، إذ أظهرت الحادثة أن تجميد جزء كبير من الأموال كان ممكناً بفضل التدخل السريع لهذه الجهات.
وفي المقابل، فإن تعليق عمليات السحب، حتى وإن كان إجراءً احترازياً، يسلط الضوء على المخاطر المرتبطة باعتماد المستخدمين على منصة مركزية واحدة لإدارة أصولهم الرقمية.
وبين تعهد باينانس بتغطية الخسائر، واستمرار عمليات تتبع الأموال، وانتظار التقرير التقني النهائي، تبقى الأنظار موجهة إلى نتائج التحقيق وإثبات الاحتياطيات الجديد، باعتبارهما عنصرين أساسيين لتقييم مدى نجاح المنصة في احتواء واحدة من أكبر الأزمات الأمنية التي شهدها قطاع العملات الرقمية.
### المصادر المعتمدة والتحقق من المعلومات
اعتمدت في بناء المقال على المصادر التالية، مع إعطاء الأولوية للبيانات الرسمية والتحقيقات المتخصصة:
| المصدر | أهم المعلومات التي يوفرها |
| -------------------------------- | ------------------------------------------------------------------------------- |
| Binance – البيان الرسمي | سبب الاختراق المحتمل، مبلغ 6.3 مليارات دولار، التجميد، SAFU والإجراءات الأمنية. |
| Reuters – التقرير الرئيسي | تفاصيل الحادثة، الأسواق، تقييمات الخبراء، والاشتباه في تورط كوريا الشمالية. |
| Associated Press | تصريحات باينانس وتفاصيل تدخل Tether وCircle وتطورات التحقيق. |
| Bloomberg | بداية تغطية الحادثة وتجميد أكثر من 2.5 مليار دولار. |
| TRM Labs – التحقيق التقني | تحليل الهجوم، مجموعة TraderTraitor، الشبكات المستهدفة والأصول المجمدة. |
| Bitquery – تحليل المعاملات | تتبع المحافظ والتحويلات وتوقيت العمليات والأموال المتبقية. |
| CoinDesk – تحليل الاحتياطيات | تأثير الاختراق المحتمل على تغطية أرصدة العملاء وإثبات الاحتياطيات. |
| CoinDesk – تأثير الأسواق | تراجع العملات الرقمية وتصفية مراكز التداول وتوقعات Standard Chartered. |
| Reuters – تجميد العملات المستقرة | تفاصيل تدخل Tether وCircle وRipple. |
| Reuters – مقارنة أكبر الاختراقات | مقارنة الحادثة باختراقات سابقة في قطاع العملات الرقمية. |
.jpg)
