![]() |
| الشاعر و الكاتب يزيد بن هنو |
«الكتابة للطفل أصعب أنواع الأدب.. وحفظ التراث الشفهي مسؤولية تاريخية لحماية ذاكرتنا»
بين أصالة القرية في "إغيل أومسد" بأقبو، وأصداء العالمية في المكسيك وصربيا، يقف الأديب والشاعر الجزائري يزيد بن هنو—المعروف بـ "الشيخ اليزيد"—كجسرٍ وثائقي يربط بين التراث الأمازيغي والبعد الإنساني الشامل، حارسٌ للهوية، وباحثٌ في عمق اللغة، ومترجمٌ لآلام وأحلام الإنسان.
في هذا الحوار الاستثنائي لـ شرفة ميديا، نغوص مع "الشيخ اليزيد" في رحلة تتجاوز ثلاثة عقود من العطاء الأدبي والجمعوي، ليجيبنا بعمق عن أسئلة الذاكرة، الترجمة، أدب الطفل، والفلسفة.
إعداد وإجراء الحوار: ڤاسي جيلالي
ضيف الحوار: الأديب، الشاعر والباحث الأنثروبولوجي "يزيد بن هنو" (الشيخ اليزيد).
أهلاً بك أستاذنا الفاضل بين قراء ومحبي كلمتك الصادقة، وسعداء جداً بهذ الحوار الثري الذي يحل عاطراً على منصتنا."
س1: بداية لقبك قريتك بـ "الشيخ اليزيد"، وهو لقب يحمل دلالات الحكمة والمكانة الاجتماعية والوقار، كيف أثر هذا التكليف المبكر من أبناء بلدية شلاطة على مسارك الإنساني والأدبي؟
شيخ اليزيد: بداية تحية عطرة لكم و لكل متابعي منصة شرفة ميديا، أعتبر هذا اللقب مسؤولية أخلاقية أكثر منه وسامًا، صحيح أنه تشريف، لكنه في الوقت نفسه مسؤولية كبيرة تقع على عاتقي، فعندما يمنحك الناس لقبًا كهذا، بما يحمله من دلالات الوقار والحكمة، فإنهم لا يصفون ما أنت عليه فحسب، بل يضعون بين يديك أمانة عظيمة، ولا بد أن تكون على قدر هذه الأمانة، وأن تحافظ عليها.
عن لقب "الشيخ اليزيد": «أعتبر هذا اللقب مسؤولية أخلاقية أكثر منه وسامًا.. علمتني قريتي أن قيمة الكاتب ليست في عدد كتبه، بل في مقدار الأثر الذي يتركه في مجتمعه».
لذلك حاولت أن أكون قريبًا من الناس، أصغي إليهم أكثر مما أتكلم، وأجعل من الأدب وسيلة لخدمة الإنسان لا للتفاخر، لقد علمتني قريتي أن قيمة الكاتب ليست في عدد كتبه، بل في مقدار الأثر الذي يتركه في مجتمعه، وفي حسن سيرته، وطيب تعامله، ومكانته بين الناس، وتحليه بالتواضع والحكمة، ولا سيما في مجتمع محافظ يتطلب من صاحبه كثيرًا من الوعي والحذر.
س2: انطلقت في النضال والعمل الجمعوي والثقافي منذ منتصف الثمانينيات (1986) عبر الحركة الثقافية الأمازيغية وجمعية "mcb", كيف تشكلت شخصية الأديب لديك بين أسوار الجامعة والقرية في تلك المرحلة الحسابية من تاريخ المنطقة؟
شيخ اليزيد: كانت المدرسة بالنسبة إلي فضاء للفكر والتعلم والقراءة، بينما كانت القرية مدرسة للحياة، في المدرسة تعرفتُ على الفلسفة والأدب العالمي، وتعلمت كيف أخطو أولى خطواتي في الكتابة بلغات أخرى بعيدة عن لغة الأم، وكان ذلك في داخلي جرحًا لا يندمل، أما في القرية، فتعلمت الحكمة الشفوية التي يحملها الشيوخ والأمهات، وورثت الزخم الكبير من الأدب الشفوي وتعاليم الحياة.
بين هذين العالمين تشكلت شخصيتي؛ فلم أرد أن أكون مثقفًا منفصلا عن جذوره، ولا ابن قرية منغلقا على محيطه، كنت أؤمن بأن الدفاع عن اللغة والثقافة الأمازيغيتين ليس مواجهة مع أحد، بل دفاع عن حق الإنسان في ذاكرته وهويته، وحفاظ على إرث حضاري عريق.
عن النضال الهوياتي: «الحركة الثقافية الأمازيغية لم تكن مجرد انتماء، بل مدرسة في الفكر والالتزام.. والدفاع عن الهوية هو عمل ميداني بالوعي والأخلاق».
وما زلت أرى في كل زقاق حكاية، وفي كل حجر رمزا، وفي كل شجرة ذاكرة، وفي كل زاوية وشما تركه الأجداد، كأن القرية كتاب مفتوح لا تنتهي قراءته.
فالحركة الأمازيغية كانت بالنسبة إلي مدرسة كبيرة فيها تعلمت المعنى الحقيقي للأمازيغية، واحتككت بالمناضلين، وعرفت من أنا، وما معنى أن يحمل الإنسان قضية يدافع عنها بالوعي والثقافة والأخلاق قبل أي شيء آخر، ومن هذا المقام أترحم على روح المناضل هارون محمد، وعلى جميع من أفنوا أعمارهم في خدمة اللغة والثقافة والهوية الأمازيغية، ولهم جميعًا فضل لا يُنكر في ما تحقق من مكاسب.
في هذا الشأن يطول، لأن الحركة الأمازيغية لم تكن بالنسبة إلي مجرد انتماء، بل كانت مدرسةً في الفكر، وفي الالتزام، وفي احترام الاختلاف، والإيمان بأن الدفاع عن الهوية هو العمل الميداني.
س3: تميزت بتطويعك للأدب العالمي لصالح اللغة الأمازيغية، مثل اقتباسك لقصص "جون لافونتن" (سوق الحكايات) ومسرحيات "شكسبير" (الكاتب والجلاد), ما هي التحديات التي واجهتك في نفل هذه النصوص إلى لسانيات المنطقة؟
شيخ اليزيد: أصعب ما في الترجمة أو الاقتباس ليس نقل الكلمات، بل نقل الروح، كنت أبحث دائما عن مكافئ ثقافي يجعل القارئ الأمازيغي يشعر بأن النص ولد بلغته، لا أنه ضيف عليها، لذلك كنت أوازن بين الأمانة للأصل وخصوصية الثقافة الأمازيغية، لأن اللغة ليست قاموسا فقط، بل رؤية للعالم وإيقاعا للحياة.
وكذلك فإن كثيرا من الحكايات الشعبية تتقاطع مع حكايات إيسوب ولافونتين، فالحكاية الشعبية ملك للإنسانية، تتنقل بين الشعوب وتلبس في كل أرض لباسًا جديدًا، لكنها تحتفظ بروحها وحكمتها، وكما يُقال: «إذا مات شيخ احترقت مكتبة»، لذلك كان الحفاظ على الحكاية الشعبية حفظا لذاكرة الجماعة، لأنها ليست للتسلية فحسب، بل وعاء للقيم والتاريخ والحكمة.
عن اقتباس الأدب العالمي: «أصعب ما في الترجمة ليس نقل الكلمات بل نقل الروح.. الحكاية الشعبية ملك للإنسانية تلبس في كل أرض لباساً جديداً».
ولا ننسى ما جمعه العالم الأنثروبولوجي ليو فروبنيوس، وما دونه بلقاسم بن سديرة، وما حفظته طاوس عمروش، وما خلده سليمان عازم وموحيا وغيرهم، فلهم فضل كبير في المحافظة على التراث الشفهي والحكايات الشعبية الأمازيغية القبائلية.
وأبذل ما بوسعي لإدخال الأمثال والحكم الشعبية القبائلية في نصوصي، كما أحرص على البحث عن الكلمات القديمة التي أصبحت في سياق الاندثار أو قل تداولها، من أجل الحفاظ عليها وإعادة تداولها، لأن اللغة التي تفقد كلماتها تفقد جزءًا من ذاكرتها، والحكاية الشعبية ليست مجرد قصة تُروى، بل ذاكرة شعب وحكمة أجيال.
س4: حصدت مؤخراً جوائز عالمية في أدب الطفل بكندا (جائزة طاوس عمروش 2024 و2025)، ما الذي يمثله الكتابة للطفل بالنسبة لشاعر يخوض في روايات تاريخية معقدة مثل لعنة الباشغا؟
شيخ اليزيد: الكتابة للطفل هي أصعب أنواع الكتابة، لأنها تخاطب الإنسان قبل أن تلوثه الحياة بتعقيداتها، فالطفل لا يقبل الزيف، ولا يغفر التكلّف، ولذلك لبد لمن يكتب له أن يمتلك وعيًا نفسيًا وبيداغوجيا، وأن يحسن اختيار الأسلوب والصور واللغة والكلمات، وأن يبتعد عن العنف وكل ما قد يشوه براءته، فالأخطاء في أدب الطفل لا تغتفر، لأننا لا نكتب قصة عابرة، بل تسهم في تكوين أجيال، ومن واجبنا أن نربيها على المبادئ والقيم والأمانة والصدق، لا على الزيف والكذب.
أما الرواية التاريخية، فهي محاولة لفهم الماضي حتى نفهم الحاضر، وفي الحالتين أبحث عن الإنسان؛ فالطفل هو مستقبل الذاكرة، والتاريخ هو ذاكرة المستقبل.
عن أدب الطفل والرواية: «الطفل هو مستقبل الذاكرة، والتاريخ هو ذاكرة المستقبل.. والأخطاء في أدب الطفل لا تغتفر لأننا نسهم في تكوين أجيال».
ولعل أكثر ما يساعدني على الكتابة للطفل هو أنني مازلت أوقظ في داخلي ذلك الطفل الذي لم يغادرني، فلا ينبغي أن نكتب للأطفال بمنظور الكبار فقط، لأننا حين نفعل ذلك قد نسلبهم حقهم في الدهشة والخيال، فالطفولة عالم كامل ينبغي أن ندخله باحترام، لا أن نفرض عليه عالمنا، ومن واجب الكاتب أن يحافظ على براءة الطفل، لا أن يسرق طفولته، وأن يمنحه ما يوسع خياله ويغذي روحه، دون أن يفقده حقه في الحلم.
س5: تناولت في أبحاثك الأنتثروبولوجية مفاهيم مثل أدبيات اللباقة الأمازيغية (Politesle amazigh) والقاموس الجامع الذي استغرق منك أكثر من 10 سنوات، إضافة لبحثك عن الشيخ محند أولحسين، إلى أي مدى ترى أن التراث الشفهي الأمازيغي ما يزال بحاجة إلى التدوين والإنقاذ؟
شيخ اليزيد: مازلنا في بداية الطريق، ففي كل يوم يرحل شيخ أو امرأة مسنة، ويحمل كل منهما مكتبةً كاملة من الأمثال والحكايات والأغاني والعادات والمعارف الشفوية، وإذا لم نسارع إلى توثيق هذا الإرث، فإننا لا نفقد كلمات فحسب، بل نفقد طريقة كاملة في فهم العالم.
فالتراث الشفهي ليس ماضيًا جامدًا، بل هو أساس هويتنا الثقافية وذاكرتنا الجماعية، لذلك لا بد من عمل جاد، ومن بحوث ميدانية، ومن تضافر الجهود لجمع هذا الزخم الكبير، لأن يدا واحدة لا تكفي، كما لابد من نشر الوعي بخطورة اندثار هذا الإرث، والعمل على حمايته قبل أن يفلت من بين أيدينا.
عن التراث الشفهي: «في كل يوم يرحل شيخ أو امرأة مسنة يحملان معهما مكتبة كاملة.. إذا لم نسارع للتوثيق فنحن نفقد طريقة كاملة في فهم العالم».
وأوجه من هذا المنبر نداءً صادقًا إلى أرباب العمل والمؤسسات والفاعلين في المنطقة للمساهمة ماديا ومعنويًا في إنقاذ ما تبقى من هذا الكنز الثقافي، لأن حفظ التراث مسؤولية جماعية، لا مسؤولية أفراد فقط، فإن لم تسرع اليوم في جمعه وتوثيقه، فقد لا نجد غدًا ما نجمعه.
وأؤمن بأن التوثيق، والكتابة، والتدوين والأفلام، والمسرح، ليست مجرد وسائل الحفظ التراث، بل هي أشكال من الخلود؛ فالكلمة المكتوبة تعيش بعد أصحابها، والحكاية المدونة لا تموت، بل تستمر في تعليم الأجيال وصناعة الذاكرة، لأن ما يُكتب يبقى، وما يُروى ويُحفظ يصبح حياة أبدية للثقافات والشعوب.
س6: كتابك المرتقب "الروح بين الوحي والعقل" يمثل التفاتة فلسفية تدمج بين علم النفس والإسلام، كيف تنقلت من روحانية الشعر إلى التفكير الفلسفي الإبستمولوجي؟
شيخ اليزيد: في الحقيقة، لم أغادر الشعر يومًا؛ فالشعر هو الذي قادني إلى الفلسفة، كنت أطرح أسئلة الوجود والحب والموت والحرية داخل القصيدة، ثم شعرت أن بعض الأسئلة تحتاج إلى فضاء فكري أوسع، لذلك جاء هذا الكتاب محاولة للتوفيق بين نور الوحي ومنهج العقل، لأنني أؤمن بأن الحقيقة لا تخشى التفكير، وأن الإيمان الحقيقي لا يناقض المعرفة.
وأنا من عشاق الطريقة الرحمانية، ولذلك تتجلى كتابتي في أجواء التصوف والخلوة والتأمل، كما يحضر فيها الفكر الفلسفي، وهو جزء من ثقافتنا القبائلية اليوم، وقد أردت أن أضخ في هذا العمل خلاصة تجربتي ودراستي، وما اكتسبته من بحوث وقراءات واحتكاك بثقافات وشعوب أخرى خلال أسفاري، فضلا عن قراءاتي للأدب اليوناني، والإسلامي، والعربي والأمازيغي، والإسباني، والصيني، والياباني، والتركي وغيرها.
عن الفلسفة والتصوف: «لم أغادر الشعر يومًا؛ فهو الذي قادني إلى الفلسفة.. وكتابي القادم "الروح بين الوحي والعقل" يتأثر بأجواء الطرق الرحمانية والتأمل».
شعرت أن كل هذه التجارب والأفكار والقراءات المتراكمة في أعماق عقلي لا بد أن ترى النور، وأدرك أن هذا المشروع يمثل بالنسبة إلي خطوة كبيرة، وربما ثورة فكرية في مساري، لكنني أسأل الله أن أكون على قدر هذه المسؤولية، وأن أقدم عملا يليق بما أحمله من قناعات وتجارب، ويكون إضافة صادقة إلى الفكر والأدب.
س7: نلت ألقاباً دولية كـ "شاعر العالم" بالمكسيك و"سفير السلام"، وتُرجمت أعمالك لعدة لغات، كيف يستطيع المبدع ابن البيئة المحلية (القبائل) أن يصل بصوته إلى صربيا، إسبانيا، والمكسيك دون أن يفقد أصالته؟
شيخ اليزيد: كلما كنت صادقًا مع بيئتي أصبحت أكثر قدرة على مخاطبة العالم، فالعالمية لا تتحقق بتقليد الآخرين، بل بتقديم نفسك كما أنت، عندما أكتب عن جبال القبائل أو عن الإنسان الأمازيغي، فأنا في الحقيقة أكتب عن الإنسان في كل مكان، فالأدب الحقيقي يبدأ من المحلية وينتهي بالإنسانية.
لقد حاولت طوال مسيرتي أن أكون أنا فقط لا غير، وأن أظل وفيا لصوتي وتجربتي وكرست حياتي لهذا المسار، وربما يعود ذلك إلى جراح طفولتي، وإلى وعيي المبكر بالقضية الأمازيغية، التي لم أنظر إليها يوما على أنها قضية صراع، بل قضية هوية وذاكرة وكرامة ثقافية. لذلك سعيت إلى الدفاع عن لغتي وثقافتي بالكتابة والبحث والترجمة والإبداع، مؤمنًا بأن حماية الهوية لا تكون برفض الآخر، بل بمعرفة الذات، وصون تراثها، والإسهام في إثراء الثقافة الإنسانية، ولعل التاريخ سيكون خير شاهد على ذلك.
س8: شاركت في عدة ديوانات عالمية تناولت قضايا إنسانية مثل المساجين والقضايا العادلة، ما هو دور الشاعر اليوم في ظل التغيرات والنزاعات العالمية؟
شيخ اليزيد: الشاعر ليس سياسيًا ولا قائدًا عسكريًا، لكنه ضمير المجتمع، مهمته أن يدافع عن الكرامة الإنسانية، وأن يمنح صوتًا لمن لا صوت لهم، وفي زمن الحروب والانقسامات، يصبح الشعر مقاومة أخلاقية ضد الكراهية، وجسرًا بين الشعوب، ورسالة سلام نبيلة لا تعرف الحدود، لا غوغاء على منصات التواصل الاجتماعي ولا ضجيجًا عابرًا.
ولو نظرنا إلى التاريخ، لعرفنا المكانة التي حظي بها الشاعر في بناء الوعي وصناعة القيم، وما زالت أشعار سي محند أو محند والشيخ محند أولحسين حاضرةً بيننا إلى اليوم، نرددها في كلامنا، ونستلهم منها الحكمة والهوية والكرامة، وهذا دليل على أن الكلمة الصادقة تعيش أكثر من صاحبها، وأن الشاعر الحقيقي يرحل بجسده، لكنه يبقى في ضمير شعب.
وللشاعر دور كبير في المجتمع، لأنه لا يكتفي بوصف الواقع، بل يوقظ الضمير، ويحفظ الذاكرة، ويزرع الأمل، ويمنح الإنسان القدرة على مقاومة القبح، ومع الأسف، بدأت مكانة الشاعر في يومنا هذا تتراجع، لا لأن الشعر فقد قيمته، بل لأن زمن الضجيج أصبح يعلو أحيانًا على صوت الحكمة، ومع ذلك، سيظل الشعر الحقيقي باقيًا، لأن ما يخرج من القلب يصل إلى القلوب، أما الضجيج فيزول بزوال لحظته.
س9: سألت نفسك في سيرتك الذاتية سؤالاً عميقاً: "أنعيش، أم نكتب، أم نناضل، أو نعالج الضغوطات وتقبل المضايقات؟"، بعد أكثر من 40 إبرازاً أدبياً و30 سنة في الساحة، كيف يجيب "الشيخ اليزيد" اليوم على هذا السؤال في ظل قلة الدعم والإمكانيات؟
شيخ اليزيد: اليوم أقول: يمكن للإنسان أن يعيش وهو يكتب، وأن يناضل وهو يبدع، صحيح أن الطريق كان مليئًا بالصعوبات، وأن الدعم كان محدودًا، لكنني لم أكتب يوما من أجل الجوائز أو الشهرة، بل كتبت لأن الكتابة كانت طريقتي في الدفاع عن الإنسان، والهوية، والحرية.
وإذا عاد بي الزمن، فسأختار الطريق نفسه، رغم كل ما فيه من تعب وعراقيل وصعوبات ورغم ما فرضه علي أحيانًا من عزلة، وما رافقه من نظرات متشككة أو ناقدة، لقد اخترت هذه الرسالة عن قناعة، وأدركت منذ البداية أن لكل رسالة ثمنًا، وأن من يحمل قضية لا ينتظر طريقًا مفروشا بالورود. وما دمت مؤمنًا بما أكتب، فسأظل أسير في هذا الدرب، لأن الكلمة الصادقة قد تتعب صاحبها، لكنها لا تخذله أبدًا وبالكتابة نداوي الجراح.
س10: كلمة أخيرة توجهها للشباب الصاعد من أبناء المنطقة الشغوفين بالأدب والتراث الأمازيغي عبر منبر شرفةميديا؟
شيخ اليزيد: أقول لهم لا تجعلوا وسائل التواصل الاجتماعي غايتكم، بل اجعلوها وسيلة، اقرأوا كثيرا قبل أن تكتبوا، واصبروا على التعلم، واحترموا لغتكم وتراثكم دون أن تنغلقوا على العالم، فالأمم التي تحفظ ذاكرتها هي القادرة على صناعة مستقبلها، وآمنوا بأن الكلمة الصادقة قد تحتاج إلى سنوات حتى تُثمر، لكنها لا تموت أبدًا.
ولا تتوقفوا عند القراءة وحدها، بل اطلعوا على ما كتب قبلكم، وتواصلوا مع الآخرين، وافتحوا أبواب الحوار وتبادل التجارب، ولا تنغلقوا على أنفسكم، وابتعدوا عن الصرعات الأدبية العابرة، وعن الجري وراء الشهرة والجوائز، وعن صناعة المجموعات المغلقة والتفاخر والتباهي على مواقع التواصل الاجتماعي، فكل ذلك لا يصنع أديبا.
رسالة للشباب: «لا تجعلوا منصات التواصل غايتكم بل وسيلة.. اقرأوا كثيراً قبل أن تكتبوا، وابتعدوا عن الشهرة العابرة والتفاخر».
إن الكتابة رسالة قبل أن تكون شهرة، ومسؤولية قبل أن تكون حضورًا إعلاميًا، وهي لا تقوم على العنف والإقصاء ونبذ الآخر، بل على الاعتراف بمن سبقونا، والوفاء لجهودهم، والبناء عليها، وأتساءل اليوم هل نقرأ فعلا بعضنا بعضًا؟ وهل أنصفنا الأدب والتراث الأمازيغيين كما يستحقان؟ وهل حفظنا هذه الأمانة التي ورثناها، أم اكتفينا بالحديث عنها؟ إن المحافظة على هذا الإرث لا تكون بالشعارات، بل بالقراءة، والبحث، والتوثيق، والإبداع، حتى يبقى حيًّا في وجدان الأجيال القادمة.
وفي الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بخالص محبتي وتقديري لمنصة شرفة ميديا، التي فتحت لي هذا الفضاء لأتحدث عن مسيرتي وأفكاري، وطموحاتي، ورؤيتي للأدب والثقافة والهوية، وأشكر أسرة المنصة على هذه الالتفاتة الكريمة، وعلى إيمانها بأهمية الحوار الثقافي، متمنيا لها مزيدًا من النجاح والتألق في خدمة الكلمة الحرة والفكر الجاد.
.jpg)
