بقلم طاقم التحرير | الشرفة_ميديا
في الوقت الذي يتجه فيه العالم بسرعة البرق نحو براغماتية لغوية رقمية، ويقود فيه شباب الجيل الجديد ثورة التكنولوجيا والعلوم بلغات العصر، ما زلنا نصطدم في أوساطنا المحلية بظاهرة سوسيولوجية تثير الكثير من التساؤلات؛ ظاهرة "الأرستقراطية اللغوية المزيفة" أو أولئك الذين يعتقدون أن إتقان بضع جمل باللغة الفرنسية يمنحهم صكاً للتعالي والانتساب لـ "طبقة مخملية" متوهمة.
إنها عقلية "حاكم السماء" التي تجعل صاحبها ينفخ ريشه على محيطه وجيرانه، معتبراً أن "الرطانة" بلغة موليير هي الدليل الوحيد على الثقافة والوعي، بينما هي في عمق التحليل النفسي والاجتماعي مجرد عقدة نقص موروثة تتخفى وراء بروج عاجية جافة.
Backpack من كواليس الماضي: "فرنسيتك هي طوق نجاتك!"
كثير من أبناء المنطقة يتذكرون جيداً، خلال سنوات الدراسة، كيف كان منظرو هذا التيار يوجهون النصائح للطلبة قائلين بلهجة الواثق المعصوم من الخطأ: "اخطاك من اللغات الأخرى وركز فقط على الفرنسية، فهي طوق نجاتك الوحيد في هذا المجتمع!"، لقد كانت عقيدة راسخة تُزرع في العقول لربط النجاح المهني والاجتماعي بلغة معينة، وتحويلها إلى أداة لفرز الناس وتصنيفهم طبَقياً وثقافياً.
📉 حينما يصطدم الوهم بصخرة الميدان!
ولكن، دارت عجلات الزمن وتغيرت التوازنات، وجاءت الإجابة الصادمة من الواقع وليس من أروقة التنظير، فكم من شاب رفض اتباع تلك المقاربة البالية، ولم يلتفت لتلك النصائح "المعلبة"، وركز بدلاً من ذلك على بناء نفسه، وتطوير مهاراته، وشق طريقه بعصامية وصبر، هؤلاء الشباب هم من نزلوا إلى الميدان، كافحوا، وكونوا أنفسهم طيلة سنوات من العطاء والخبرة الحقيقية، لتُفتح في وجوههم كبرى الآفاق المهنية والدولية، في حين أن أولئك الذين ظلوا متمسكين بـ "وهم طوق النجاة اللغوي" وجدوا أنفسهم اليوم يراوحون مكانهم، ولم تشفع لهم لغتهم المنمقة في تحقيق أي إنجاز ملموس على أرض الواقع سوى إطلاق الأحكام وراء الشاشات.
صدمة الهجرة: عندما تسقط الأقنعة اللغوية في كندا!
ولعل أكبر دليل يكشف زيف هذا "النفخ" والتعالي، هو واقع الهجرة نفسه، فكم من شاب هاجر إلى الخارج، وتحديداً إلى كندا، معتمداً فقط على مؤهلاته اللغوية الأجنبية وظناً منه أن أبواب النجاح ستُفتح له بالسجاد الأحمر لمجرد أنه يتحدث الفرنسية؛ لكنه اصطدم هناك بواقع آخر تماماً! لم تشفع له لغته في الحصول على عمل لائق، ووجد نفسه يتخبط في دائرة مغلقة من البطالة أو المهن البسيطة.
المفارقة الصادمة أننا في كندا نجد حتى أصحاب اللغة الحقيقية (الفرنسيين أنفسهم) يتخبطون ولا يجدون مكانة في سوق الشغل الحقيقي إذا كانوا يفتقدون للكفاءة والخبرة العملية! هناك يكتشف الجميع أن "النفخ اللغوي" لا يساوي شيئاً أمام المهارة الميدانية، وفي المقابل، هناك أشخاص عصاميون ركزوا أولاً على بناء مستقبلهم بخبرتهم وسواعدهم وتخصصاتهم الصلبة، واكتسبوا اللغة وتأقلموا معها بعد ذلك بكل سهولة، لأن الأصل هو الكفاءة وليس المظاهر.
🌍 بين براغماتية "العالم" وعقدة "المحلي"!
المفارقة العميقة تظهر حين نقارن هذه السلوكيات بالثقافة السائدة في المجتمعات المتقدمة؛ ففي دول مثل كندا (التي تُعد معقلاً لغوياً)، عندما يتحدث الإنسان بلغة ثانية فرنسية أو إنجليزية ويكون تعبيره بسيطاً أو ركيكاً، لا تجد أحداً يستهزئ به أو يعاتبه، بل على العكس تماماً، يستمعون إليك باحترام ويشجعونك، وإذا اعتذرت لهم قائلين "عذراً على لغتي الركيكة"، يجيبونك بكل تواضع وبساطة: "لا عليك، على الأقل أنت تتحدث لغتين، بينما أنا لا أعرف لغة أخرى غير هذه!".
أما في واقعنا المحلي، فبعض مدّعي الثقافة يستشيطون غضباً وينتظرون منك زلة لسان أو غلطة تعبيرية بسيطة لينهاروا عليك بالتصحيح الفوقي والتهكم، وكأن الواحد منهم هو من وضع أبجديات تلك اللغة! هذا التباين يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن النخبوية الحقيقية هي "وعي، مرونة، وأخلاق تواصلية"، وليست عقدة استعراضية.
🧠 الثقافة: تواضع وميدان.. وليست استعراضاً لغزياً
إن المفهوم الحقيقي للثقافة والعمل الجمعوي لا يُقاس بمدى قدرة الشخص على رصّ العبارات الفرنسية لتبرير العجز أو لإقصاء الآخرين وتصنيفهم كـ "فاشلين"، المثقف الحقيقي والمصلح الاجتماعي هو من يملك القدرة على النزول للميدان، والتحدث بلغة الناس، وتقبل نقد المواطن البسيط بصدر رحب للتعلم والتطوير، أما استخدام اللغة كـ "درع" للاختباء من الإخفاقات التنظيمية والميدانية، فهو الهروب بحد ذاته.
لقد سقطت معاقل الوصاية الفكرية، وانتهى زمن الأقنعة والبروتوكولات الجافة التي تحسب "كل من يتحدث الفرنسية طائراً في السماء"، الجيل الجديد اليوم واعد، براغماتي، ويبحث عن النتيجة والأثر الملموس، نخبنا المحلية بحاجة اليوم إلى "تحديث فكري" جذري، يتعلمون فيه أولاً لغة التواضع والاحترام المتبادل قبل أي لغة أخرى؛ فالقيمة الحقيقية للإنسان تُصنع بما يقدمه من نفع حقيقي لأبناء جلدته في الميدان، وليس بما يستعرضه من أوهام يعلوها الغبار.
.jpg)
