![]() |
| البروفيسور فرحات بلولي |
حاوره: ڤاسي جيلالي
بعد أن أبحرنا في الجزء الأول مع المسار العصامي للبروفيسور فرحات بلولي، ننتقل معكم اليوم إلى 'المناطق الساخنة' في فكر ضيفنا.
الجزء الاول من الحوار (يمكنك النقر هنا للقراءة)
في هذا الجزء الثاني، نضع لغتنا اليومية تحت مجهر اللسانيات الاجتماعية.. لماذا نخلط بين العربية والأمازيغية والفرنسية؟ وهل لغة الملاعب (مثل جريدة الهداف) هي أكثر تحرراً من لغة النخبة الجامعية؟
بجرأة الأكاديمي وصراحة ابن المنطقة، يجيبنا البروفيسور عن سر 'الغربة' التي يشعر بها المواطن تجاه لغة الإعلام الرسمي، ويكشف لنا لماذا يعتبر التعدد اللغوي في الجزائر إستراتيجية ذكاء لا إعاقة ذهنية.
إليكم تفاصيل الجزء الثاني من الحوار الحصري..
تتميز منطقتنا بتنوع لغوي فريد (الأمازيغية، العربية، والفرنسية)؛ كيف تفسر اللسانيات هذا التعايش؟
الأستاذ فرحات: لن أكون أوّل من يتحدث في هذه المسألة، فقد سبقني الكثير من الباحثين منهم الجزائريين ومنهم الأجانب إلى هذا الموضوع، لذلك سأُقدّمُ لكم عصارة ما اطلعت عليه، فوجود ثلاث لغات في فضاء جغرافيّ واحد شيء معروف في الكثير من دول العالم وربّما أغلبها؛ لأنّ وجود لغة واحدة في بلد ما شيء شبه نادر حاليا، أما فيما يخصنا فانتشار هذه اللّغات له مُسبباته الكثيرة منها التّاريخيّة لأنّ الأمازيغيّة لغة أصليّة في هذه البلاد، ومنها الدّينية بما أنّ العربيّة لغة الإسلام الذي يدين به الجزائريون عموما، ومنها العلميّة لأنّ اللّغة الفرنسية هي لغة الدّراسات العلميّة في الجامعة الجزائريّة، هذه أبرز مُسببات وجود هذه اللّغات في بلادنا، لكن يجب التّأكيد على أنّ السّياسة اللّغويّة (Language politics) الجزائريّة هي التي كرست وجودها؛ فلولا قرار المُشرع الذي جعل الدّراسات العلميّة في الجامعة الجزائريّة باللّغة الفرنسية فلربما اندثرت الفرنسية في الجزائر لأنّها لغة أجنبية ولا توجد أيّة قرية في الجزائر تتحدث الفرنسية، فبقاء هذه اللّغة مرهون كلّية بقرار إبقائها في التّعليم الجامعيّ خاصة، أما فيما يخص وصف هذا الوضع فقد وضع اللّغويون الكثير من أنواع الوصف هناك من يعتبر هذا التّواجد بهذه الطّريقة "تعددا لغويّا" ولكن هناك من يسميه "احتكاكا لغويّا" ثم هناك من يسميه "صراعا لغويّا"...
هل ترون أن "التمزغ" أو اللهجات المحلية في منطقتنا تواجه خطر الاندثار أم أنها تتطور وتتأقلم؟
الأستاذ فرحات: يجب التّأكيد -في البداية- أنّ اللّسانيات والدّراسات اللّغويّة عموما لا يمكنها التّنبؤ بأحوال اللّغات في المستقبل، لكنها تنطلق من مؤشرات ك"المواقف" (Attitudes) من اللّغات والواقع اللّغويّ الحالي لافتراض مسارات، ثم هناك ما يُسمَى بالتّخطيط اللّغويّ(Language planning) الذي تضعه الجهات المتخصصة لتحويل المسارات اللّغويّة أو تكريسها مع ضرورة الانتباه إلى أنّ التّخطيط اللّغويّ لا يمكن أن ينجح في مدة قصيرة؛ فأقل مدّة لنجاحه أو الوصول إلى نتائج مرضية هو خمسون (50) سنة مع مراجعة إجراءات التّخطيط إن اقتضى الأمر أثناء المدّة المذكورة حسب ردود أفعال الجمهور، وبناءً على ذلك لا يمكن القول إنّ لهجات الأمازيغيّة مُتجهة للاندثار فالجزائر الحالية لديها سياسة لغويّة وتخطيط لغويّ يسيران في اتجاه الحفاظ على هذه اللّهجات الأمازيغيّة، فوجود إذاعات وتلفزيونات بالأمازيغيّة ومدرسة تُدرِّس الأمازيغيّة... تجعل خطر الاندثار مُستبعد على الأقل في الأفق المنظور.
التعدد اللغوي في الجزائر إرث تاريخي وديني وعلمي، والسياسة اللغوية هي من يقرر بقاء اللغة أو اندثارها.
هناك ظاهرة "الاقتراض اللغوي" (استعمال كلمات أجنبية في الكلام اليومي)؛ هل هي إثراء للغة المحلية أم تهديد لهويتها؟
الأستاذ فرحات: تُعد ظاهرة الاقتراض اللّغويّ من أبرز ظواهر احتكاك اللّغات فيما بينها، والحقيقة أنّ اللّغويين اختلفوا إلى مذاهب فيما يتعلق بمقبولية هذه الظّاهرة في اللّغات، فهناك من يعتبرها تهديدا وهناك من يعتبرها إثراءً، أما فيما يخصني وقد صرحت في لقاء إعلاميّ سابق إلى أنّي أقف في الموقف الوسط لأنّ اللّغة مهما كانت قوية لا يمكنها أن تكتفي بنفسها؛ فلغات كالفرنسية والإسبانية... تقترض منذ القديم إلى يومنا هذا لكن التّوسع في الاقتراض يُشكل خطرا على اللّغة، لذلك كلّما كان مُمكنا أن نحتفظ بتسمية موجودة في اللّغة الأمازيغيّة فلنعط الأولوية لكلماتنا، أما إذا كُنا في حاجة للاقتراض فلا بأس من فعل ذلك مع محاولة إدماج تلك المُقترضات في لغتنا.
كيف يمكن للمدرسة أن توازن بين تدقيق اللغة العربية الفصحى واحترام اللغات الأم للطلبة؟
الأستاذ فرحات: تَصَوَّر أنّ من النّتائج التي وصلت إليها في كتابي حول "ظاهرة التّعاقب اللّغويّ في لغة الصّحافة الرّياضيّة..." أنّ أفصح الصّفحات الموجودة في جريدة "الهدّاف" هي الصّفحات المُوجهة لفِرَق منطقة القبائل، وهذا ما يُثبت أنّ المدرسة نجحت في تعليم الفصحى في منطقتنا أكثر من نجاحها في تعليمها في المناطق الأخرى، العربيّة ليست مشكلة بالنّسبة للتّلميذ في أي مكان في العالم، المناهج والأساتذة وعوامل أخرى هي التي تجعلها صعبة أو سهلة أو تحترم اللّغة الأم أو لا تحترمها.... فيما يخص منطقتنا أعتبر أنّ أكبر مشكل تعاني منه العربيّة هي "المواقف منها"، وهو ما يُصَعِّب نوعا ما تدريسها –رغم نجاح تدريسها عموما كما قلتُ آنفا-، لذلك وجب بداية إقناع التّلاميذ أنّ العربيّة ليست أبدا عدوة لأيّة لغة أخرى بما فيها الأمازيغيّة، فاللّغات لا تستعدي غيرها، أما علاقتها باللّغة الأم فأظن أنّ العربية لا تعيق اللّغة الأم، وما يعيق الأمازيغيّة حاليا هو عدم تعميمها على المستوى الوطنيّ على المستويات الرّسمية وأعني بذلك المدرسة والوثائق الإداريّة... وهذا يعود بدوره إلى نقص في تهيئتها الحالية، لكن هذا ليس له علاقة بالعربيّة في تقديري.
ما هو دور "اللسانيات الاجتماعية" في فهم الصراعات أو التفاهمات داخل المجتمع المحلي؟
الأستاذ فرحات: اللّسانيات الاجتماعيّة ميدان خصب ومهم يشرح لنا ما يقع في مجال اللّغات ويقترح علينا آليات العمل لتصحيح الأوضاع، وربما زبدة ما توصلتُ إليه في أعمالي على مدار عشرين (20) سنة تقريبا في هذا الميدان هو أنّ أوّل فكرة لسانيّة اجتماعيّة تهمنا حاليا هي ضرورة دراسة "المواقف" من اللّغات وفي كلّ المناطق وعلى المستوى الوطنيّ، فمعرفة مواقف النّاس من اللّغات شيء مهم جدا في تسطير السّياسة والتّخطيط اللغويين وهما المفهومين الأساسيين الآخرين اللّذين أخذناهما من اللّسانيات الاجتماعيّة، فاللّغات بعد معرفة المواقف منها يمكن التخطيط لتحديد مكانتها المستقبلية، مثلا النّاس تعتبر كموقف أنّ الأمازيغيّة لا تصلح للعلم، إذن في إطار التّخطيط اللّغويّ لهذه اللّغة سنضع لها معاجما علميّة مثلا ثم سننشر كتبا علميّة بها... لإثبات أنّ هذه اللّغة تصلح لأن تكون لغة علم... طبعا هناك مفاهيم كثيرة لا يسمح لنا حوار كهذا الاستطالة فيها.
لغة الشارع التي نسميها 'كوكتيل' ليست إعاقة ذهنية، بل هي إستراتيجية ذكاء لإيصال الرسالة بتغيير اللغة
لماذا نكذب على أنفسنا؟ نحن في شوارعنا لا نتحدث لا العربية الفصحى ولا الأمازيغية الأكاديمية ولا الفرنسية الصافية، بل نتحدث 'كوكتيل' لغوي مشوه، هل اللسانيات تعتبر هذا 'تطوراً طبيعياً' أم 'إعاقة ذهنية لغوية' يعاني منها المجتمع؟
الأستاذ فرحات: يندرج موضوع سؤالك في إطار ما يسمى بالممارسات اللّغويّة، ففي اللّسانيات الاجتماعيّة نُميّز في المجتمعات المتعددة لغويّا بين ممارسات لغويّة كثيرة وهذا مرتبط بمكانة اللّغات وعددها واستعمالاتها... فلنلاحظ مثلا أنّ العربيّة تمتلك مستويات كثيرة، لدينا الفصيح الذي نتحدث به في المدرسة أو الذي نستعمله في هذا الحوار، لدينا العاميّ وهو المستعمل في الشّارع لكن عاميات العربيّة في الجزائر مختلفة أيضا وحتى العاميّة الواحدة ليست نفسها عندما أتكلم مع صديقي أو مع أمي أو مع أستاذي... وهذا كلّه في اللّسانيات الاجتماعيّة نسميه الثّنائية اللغوية (Diglossia)... أما ما سميته "كوكتيل" ففي الحقيقة هذه الظّاهرة لديها تسميات متعددة في اللّسانيات الاجتماعيّة، فقد تكون "تعاقبا لغويّا" مثلا وهذا النّوع من الكوكتيل في الحقيقة ليس إعاقة ذهنيّة كما تسميها بل هي إستراتجية لغويّة بمعنى الشّخص الذي يفعل ذلك يهدف إلى إيصال رسالة ما بتغيير اللّغة، لكن عندما يكون المزج بين اللّغات بسبب ضعف في إتقانها فنحن أمام ما يسمى ب"التّداخل اللّغويّ"، أما لغة الشّارع التي تقارنها بالفصحى... فبعض التّحاليل تعتبرها نوعا من اللّغة؛ لا يمكن رده لا إلى العربيّة ولا إلى الفرنسية بل هو لغة خاصة تسمى "السّابير" (Le sabir).
أنت درست لغة جريدة 'الهداف'.. هل ترى أن الجمهور الرياضي في منطقتنا (الذي يخلط بين الأمازيغية والعربية والفرنسية في المدرجات) هو أكثر 'تحرراً' لغوياً من النخبة الجامعية التي تتصارع على الهوية؟ هل لغة الملاعب هي اللغة الجزائرية الحقيقية؟
الأستاذ فرحات: أشرتُ سابقا إلى مفاهيم المستويات اللّغويّة والثّنائيّة والتّعدد اللّغويين، فهذه المفاهيم كلّها هي التي تؤطر فهمنا للقضية، وفي هذا الاتجاه يجب الاعتراف أنّ الجمهور الرّياضي لا يطرح تماما مسألة الهوية كما تُطرح في الجامعة أو عند النّخبة، الجمهور الرّياضي هويته مرتبطة أساسا بناديه الذي يُشجعه، واللّغة بالنّسبة له وسيلة للتّواصل فقط لا يولي أهمية كبيرة لمدى فصاحتها أو نقائها بل لمدى تعبيرها عن مشاعره وبسهولة، وبالتّالي يظهر فعلا أنّه أكثر تحررا لغويّا من الجامعيين، فالجامعيون يستعملون المستوى الفصيح من اللّغات الثّلاث ولا يمزجون بين اللّغات.
نحن لا نتحدث العربية الفصحى ولا الأمازيغية الأكاديمية في شوارعنا، بل نتحدث لغة خاصة تسمى 'السابير' (Le sabir)
أما عن كون لغة الملاعب هي لغة الجزائريين، فأعتقد فعلا أنّها قريبة جدا إلى لغة الشّارع على الأقل مقارنة بلغة النّخبة، لكن يجب الاحتراز من مسألة التّخصص، فلغة الملاعب لغة مُتخصصة في كرة القدم أما العامية فأوسع بكثير لذلك لا يمكن الجزم أنّهما نفسهما إلا بعد انجاز دراسة، لكن كفرضية أقول إنّ لغة الملاعب لديها خصوصياتها تميّزها عن العامية الجزائريّة –إن كانت العامية الجزائريّة موحدة-.
الغربة التي يشعر بها المواطن تجاه لغة الإعلام الأمازيغي أمر طبيعي في مرحلة الانتقال من 'المشافهة' إلى 'الكتابة'
درست واقع الأمازيغية في الإعلام (القناة الرابعة).. هل الأمازيغية التي نسمعها في التلفاز هي 'لغة مخبرية' جافة لا تشبه تلك التي يتحدث بها سكان 'شرفة' و'مشدالة'؟ لماذا يشعر المواطن المحلي بغربة تجاه لغته حين يراها في الإعلام الرسمي؟
الأستاذ فرحات: يوجد كما ذكرتُ سابقا مفهوم يسمى الثّنائيّة اللّغويّة، وهو يصف لنا نوعا من اللّغات التي تملك مستويين متباعديْن من الاستعمال اللّغويّ أحدهما فصيح (High) والآخر عامي (Law) وهو حال العربيّة ولغات أخرى والأمازيغيّة تعيش مثل هذا الوضع، فبعد قرون طويلة من الاستعمال الشّفهي أصبحت الأمازيغيّة مُشتتة في لهجات عدّة وعندما أراد أصحابها إدخالها إلى المجال الإعلاميّ والعلميّ والمدرسة احتاجوا إلى لغة تصلح لذلك، طبعا قام الكثير من الباحثين بتهيئة الأمازيغيّة أحيانا بسرعة وأحيانا بروية فنتجت لنا لغة مشتركة بين اللّهجات الأمازيغيّة خاصة منها الشّماليّة، لكن هذه اللّغة المشتركة مازالت لم تحظ بالاستعمال العام في بعض أجزائها، وأشير هنا إلى أنّ هذا الأمر عادي جدا حصل في لغات كثيرة عند مرحلة الانتقال من المُشافهة إلى الكتابة ومن مرحلة الاستعمال الحميميّ الضّيق إلى الاستعمال العام الرّسميّ، طبعا المدرسة ستقوم بعملها فالتّلاميذ الذين درسوا الأمازيغيّة في المدرسة لن يجدوا إشكالا في لغة التّلفزيون، أما الذين لم يدرسوا الأمازيغيّة فسيجدون لا محالة مشاكل في الفهم، لذلك كان ولا يزال مطلبنا هو تعميم تدريس الأمازيغيّة في المدرسة الجزائريّة.
أفصح صفحات جريدة 'الهداف' هي الموجهة لمنطقة القبائل، وهذا يثبت نجاح المدرسة في منطقتنا أكثر من غيرها
وهناك مسألة يجب الإشارة إليها هي أنّ القناة الرّابعة موجهة لعموم الجزائريين وليست موجهة لمنطقة القبائل فقط، لذلك كان عليها أن تتحدث بكلّ هذه اللّهجات؛ وهو ما جعل المشاهدين يجدون صعوبة في الفهم، لكن كما أشرتُ أثناء حديثي عن التّخطيط اللّغويّ وتنفيذه أنّ تعويم هذه اللّهجات واللّغة المشتركة سيأخذ سنوات طويلة وعمل القناة الرّابعة يدخل في هذا الاتجاه.
شرفة ميديا
انتهى الجزء الثاني.. ولكن "قنبلة" الحوار لم تنفجر بعد!
في الجزء القادم والأخير، ننتقل مع البروفيسور بلولي إلى "المواجهة الكبرى":
🔥 وداعاً لغة موليير: لماذا يطالب البروفيسور بقرار فوري لتجاوز الفرنسية؟ وهل الإنجليزية هي الحل أم مجرد "هروب للأمام"؟
🔥 الاستغلال الأيديولوجي: من هم المستفيدون من صراع "المعربين والممزيغين"؟ وما هي رسالته الصادمة للذين يدافعون عن الهوية باللغة الفرنسية؟
🔥 مسك الختام: نصيحة ذهبية لطلبة العلم والشباب في منطقتنا حول "لغة المستقبل".
انتظرونا في الجزء الثالث والأخير من حوار الساعة.. حصرياً على شرفة ميديا.
.jpg)
